
بقلم الاعلامیه اللبنانیه "ريما فارس"
لم تعد المعركة مع إيران خفيّة ولا قابلة للتأويل. ما يجري اليوم هو مواجهة مفتوحة بين دولة اختارت أن تبقى سيّدة قرارها، وقوة دولية اعتادت إسقاط خصومها عبر الفوضى بعد أن تفشل في كسرهم بالعقوبات والحصار. الولايات المتحدة، التي استنفدت كل أدوات الضغط التقليدية، لجأت إلى أخطر مراحل الاستهداف: زعزعة الداخل الإيراني وتحويل المطالب الاجتماعية إلى منصة تخريب شاملة، بإدارة سياسية وإعلامية وتمويل خارجي واضح.
لكن ما راهنت عليه واشنطن سقط سريعًا. فإيران لم تنزلق إلى الفوضى، ولم يتشقق مجتمعها كما أرادت غرف القرار الأميركية. على العكس، خرج الرد من عمق الجغرافيا الإيرانية، لا من العاصمة وحدها، بل من مختلف المحافظات، في مشهد وطني جامع أكد أن الرهان الأميركي على الانقسام الداخلي كان وهمًا. الشعب الإيراني، بكل أطيافه، قال كلمته مبكرًا: هذا وطن، وهذه دولة، ولا مكان للإرهاب ولا للفوضى تحت أي عنوان.
لا أحد يُنكر حق الناس في المطالبة بحقوقهم المعيشية، لكن ما شهدته بعض المناطق الإيرانية لا يمتّ إلى هذا الحق بصلة. فالاعتداء على المساجد والحسينيات، وتخريب المراكز الطبية، وإحراق الممتلكات العامة، والقتل المنظّم لا يمكن تصنيفه في إطار أي حراك مطلبي. ما جرى هو إرهاب صريح، يحمل بصمات النموذج نفسه الذي عرفتْه المنطقة يوم فُتحت الأبواب أمام التنظيمات الداعشية وأشباهها في سوريا والعراق، تحت عناوين مختلفة وبغطاء خارجي مباشر.
الدور الأميركي في هذا المشهد لم يعد خافيًا ولا بحاجة إلى كثير من الإثبات. الإدارات الأميركية المتعاقبة، وفي مقدّمها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، أعلنت بوضوح أن زعزعة الاستقرار في إيران هدف استراتيجي. تصريحات ترامب الموثّقة خلال ولايته، التي لوّح فيها مرارًا بدعم أي تحرك يُضعف الدولة الإيرانية، أعطت غطاءً سياسيًا مفتوحًا للفوضى، وشرعنت علنًا استخدام التخريب والعنف كأداة ضغط. التهديد بالتدخل عند اللزوم لم يكن سوى رسالة دعم مباشرة لتلك المجموعات، وتأكيدًا أن ما يجري ليس انفجارًا عفويًا بل جزء من مخطط مُدار.
والأخطر في الخطاب الأميركي أنه يتلطّى خلف شعارات العدالة وحقوق الإنسان، في وقت تعجز فيه الولايات المتحدة عن معالجة أزماتها الداخلية. من عنف الشرطة والعنصرية البنيوية، إلى قمع التظاهرات والاحتقان الاجتماعي، تبدو واشنطن آخر من يحقّ له الحديث عن العدالة. الدولة التي لم تنجح في إصلاح بيتها الداخلي، ولا في حماية مجتمعها من الانقسام، لا تملك أي شرعية أخلاقية للتدخل في شؤون الدول الأخرى، ولا لتسويق التخريب كفعل إنساني.
هذه الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل فقط، بل إلى الخارج، وخصوصًا إلى الولايات المتحدة التي كرّرت النموذج نفسه سابقًا في فنزويلا. ففي عهد ترامب، شنّت واشنطن حربًا اقتصادية وسياسية مفتوحة على كاراكاس: عقوبات خانقة، حصار مالي، تحريض إعلامي، واعتراف بشخصيات انقلابية خارج الأطر الدستورية، في محاولة فاشلة لإسقاط الدولة عبر إنهاك شعبها ودفعه نحو الفوضى. اليوم، يُعاد السيناريو ذاته في إيران، بذات الأدوات وبنفس اللغة، مع اختلاف الساحة واختلاف الأسماء.
إن التفاف الشارع الإيراني حول دولته لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة وعي متراكم وقيادة شكّلت عبر العقود صمّام أمان، يتقدّمها المرجع الأعلى وقائد الثوره الاسلامیه الایرانیه السيد علي الخامنئي. هذا التلاقي بين القيادة والناس أحبط محاولة تحويل إيران إلى ساحة مستباحة، وأسقط مشروع استنساخ السيناريو السوري والعراقي أو الفنزويلي على أرضها.
إيران اليوم قالت كلمتها بوضوح لا لبس فيه: نعم للإصلاح من داخل الدولة، لا للإرهاب، لا للتدخل الخارجي. من يريد العيش الكريم فطريقه واضح، أما من يحرق المقدسات ويقتل الأبرياء ويخرب باسم الاحتجاج، فلا يمثّل إلا نفسه ومن يقف خلفه. هذه المظاهرات لم تكن حدثًا عابرًا، بل إعلان سيادة ورسالة مباشرة إلى واشنطن بأن إيران ليست خاصرة رخوة، وأن شعبها الموحّد يعرف أصدقاءه من أعدائه، ويُسقط الفوضى مهما تغيّرت راياتها.