
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
عندما تواجه مذنبًا، أو مسيئًا في حقك، أو مجترئًا عليك، فأنت أمام خيارات ثلاثة لا رابع لها، فإما أن تعاقبه بما يستحق، فتكون قد عدلتَ معه، أو تعفو عنه وتصفح فتكون قد تفضَّلت عليه، أو تدفع إساءته بالإحسان إليه فتساعده على التحوُّل إلى الأفضل، وتصنع منه إنسانًا محبًا مُطيعًا.
العقوبة، من حيث الأصل، فعل مشروع في إطار العدالة، وقد تكون هي الخيار الأجدى، أو الضروري، إذا كان المذنب لا يرتدع عن ذنبه إلا بها، والعدوان لا يُدفع إلا بها، فبها تُصان الحقوق، ويُردع الظلم، ويُحفظ النظام الاجتماعي العام، لكن الإمام أمير المؤمنين (ع) لا يتحدث هنا عن العدالة، بل عن الفضل، والفرق بينهما دقيق ومهم: فالعدالة تعني أن تعطي كل ذي حق حقه، ومن العدالة أن ترد العدوان بمثله، أي بقدره لا تزيد عنه، أما الفضل، فإنه يتجاوز الحق إلى الإحسان، ويرتقي بك من منطق المعاملة بالمثل، إلى تربة أخلاقية سامية تسمو بك عن منطق المقابلة بالمثل إلى استصلاح ذلك الخاطئ، وتحويله من بعيد إلى قريب، ومن عدوٍ إلى وَلِي، وتكون قد عاملته بما تحبُّ أن يعاملك به لو كنت مكانه، بل كما تحب أن يعاملك الله به، وأنت الذي لا تفتأ تذنب وتعصيه، بل تعصيه بما يُنعِم عليك، لكنه تعالى يعفو عنك ويصفح، ويظل فاتحًا لك بابه، رازقًا لك، مُنعِمًا عليك.
وهذا المعنى يتجلى بأبهى صوره في دعاء يقول الإمام زين العابدين (ع) المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي: "تَتَحَبَّبُ إلَيْنا بِالنِّعَمِ وَنُعارِضُكَ بِالذُّنُوبِ، خَيْرُكَ إلَينا نازِلٌ وشَرُّنا إلَيكَ صاعِدٌ، وَلَمْ يَزَلْ وَلا يَزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأتيكَ عَنّا بِعَمَلٍ قَبِيحٍ، فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أنْ تَحُوطَنا بِنِعْمَتِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ما أَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ، مُبْدِئاً وَمُعِيداً، تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ، وَجَلَّ ثَناؤُكَ، وَكَرُمَ صَنائِعُكَ وَفِعالُكَ".
إذن، إن عاقبت المذنب فقد استوفيت حقك منه، لكنك من منظور الأخلاق تكون قد أسقطت عن نفسك وصف الفضل، لأن الفضل لا يتحقق إلا حين يكون الإنسان قادراً على العقوبة ثم يختار العفو، فأنت عندما تعفو تتسامى فوق حقك الشخصي، طلبًا لمرضاة الله، وتخلُّقًا بأسمائه الحسنى، أو انسجامًا مع القيم الأخلاقية السامية.
إن القرآن الكريم يدعونا إلى اكتساب الفضل بالعفو والصفح، يقول تعالى: "...فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا..." (البقرة:109). ويقول سبحانه: "...وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التغابن:14).
ويوضح الأمر أكثر فيؤكِّد أهمية العفو كفضيلة من أرقى الفضائل فيقول: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴿الشورى: 40﴾.
بل يرتقي بأخلاقنا أكثر، فيدعونا إلى دفع السيِّئة بالحسَنَة، وهنا يبلغ الفضل ذروته، فيقول سبحانه: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فُصِّلَت:34).
وحسبنا هذه الآية الكريمة للاستدلال على ما قاله الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ عاقَبَ الْمُذْنِبَ بَطَلَ فَضْلُهُ" ونلاحظ هنا أنه (ع) يعتبر أن الفضل منزلة يختارها الإنسان بإرادته، لا يبلغها إلا القوي الواثق في نفسه، والعظيم في أخلاقه.
وهكذا تكشف هذه الجوهرة العلوية الكريمة أن الفضل يكمن في الانتصار على نزعة الانتقام لدى الإنسان، وأن أسمى صور القوة هي تلك التي تُمسك بزمامها، وتختار أن تُحسن حين يكون العقاب ممكناً.