ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ لا يَعْقِلْ يُهَنْ، وَمَنْ يُهَنْ لا يُوَقَّرْ

22:19 - January 23, 2026
رمز الخبر: 3503279

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
 
رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ لا يَعْقِلْ يُهَنْ، وَمَنْ يُهَنْ لا يُوَقَّرْ".

في شرحنا لأكثر من جوهرة، تكلمنا عن العقل ومكانته عند الإنسان، وأنه أعظم نعم الله عليه وأَجَلّها، فبه حمّله الله أمانته، واصطفاه من بين سائر مخلوقاته لمقام الخلافة عنه في الأرض، وعلى أساسه يُكلِّفه الله بالتكاليف، ويوجِّه إليه الأوامر والنواهي، ويُشَرِّفه بها، وبه يعرف الإنسان الله، وبه يُدرك العالَم من حوله، ويعرف قوانينه ومعادلاته، وعلى هديه يقيم حياته، وينظم علاقاته، وعلى أساسه يتحمَّل مسؤوليته أمام الله سبحانه.  رُوِيَ عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) أنّه قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ. فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ، إِيَّاكَ آمُرُ وَإِيَّاكَ أَنْهَى وَإِيَّاكَ أُثِيبُ وَإِيَّاكَ أُعَاقِبُ "
 
فالعقل هو أحد القوى الإدراكية للإنسان، وهو حجّة الله الباطنة على الإنسان، كما أن الأنبياء هم حججه الظاهرة عليه، وأصل العقل في اللغة بمعنى المنع والحجر والنهي والحبس، وهو الذي يصون الإنسان من الجهل ويحميه من الوقوع في الخطأ والضلال والضياع ولهذا قال رسول الله(ص): "العَقْلُ عُقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ".

وقد استُعمِل لفظ (العقل) في النصوص الإسلامية في المعاني التالية: أحدها: قوة إدراك الخير والشر والتمييز بينهما، ومعرفة أسباب الأمور، وهذا هو مناط التكليف، وثانيها: حالة ومَلَكَة تدعو الإنسان إلى اختيار الخير والمنافع واجتناب المضار. وثالثها: التعقُّل بمعنى العلم، ولذا يقابَل بالجهل لا بالجنون.
 
وهناك تعاريف اصطلاحية للعقل ذكرها علماء الأصول حين قسموه إلى العقل النظري والعقل العملي، وبينوا حجية العقل في استفادة الأحكام الشرعية.
 
وجاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "العَقْلُ عَقْلانِ: عَقْلُ الطَّبْعِ وعَقْلُ التَّجْرِبَةِ". ومراده (ع) من عقل الطبع الموهبة الفطرية التي يودعها الله في كيان الإنسان وخلقته، ومراده من عقل التجربة، ما يكتسبه الإنسان من خلال أحداث الحياة وتجاربها، سواء كانت تجارب شخصية أم تجارب الآخرين. 
 
وفي حديث بالغ الأهمية عن الإمام جعفر الصادق (ع) حين سُئِلَ عن العقل قال: "ما عُبِدَ بِهِ الرَّحْمانُ واكْتُسِبَ بِهِ الجِنَانُ". فالعقل الحقيقي هو الذي يقود الإنسان إلى الكمال، ويبلغ به مقام الطاعة لله تعالى، وينتهي به إلى الجنة في الدار الآخرة.
 
بعد هذا العرض نرجع إلى ما جاء في جوهرة الإمام أمير المؤمنين (ع) حيث قال: "مَنْ لا يَعْقِلْ يُهَنْ وَمَنْ يُهَنْ لا يُوَقَّرْ" حيث تقوم هذه المعادلة على الربط بين عدم التَّعقُّل والهوان، وبين الهوان وعدم التوقير.
 
والمراد من الهوان الذُّلّ، والضعف، والحقارة. والإنسان "المَهين" هو الذي لا يعبأ به الناس ولا يحسبون له وزناً، ولا نقاش في أن الإنسان الذي يتصرَّف بجهل، أو يتبع هواه، أو يضع الشيء في غير موضعه، كما أن تسرَّع في الكلام بما لا يفيد، أو تدخّل فيما لا يعنيه، أو مارس أفعالًا سيئة، أو لم يكن متوازنًا في سلوكه، ولا جَرَمَ أن مثل هذا الشخص يهون على الناس، وتسقط كرامته في عيونهم، ويصبح عرضة لسخريتهم وازدرائهم ونفورهم، ذلك أن الناس لا يوقِّرون من لا يحترم نفسه، فالكرامة تبدأ من الإنسان نفسه، من احترامه لذاته، فإذا كان كذلك حمل الناسَ على توقيره واحترامه.
captcha