ایکنا

IQNA

جواهر علوية...

مَنْ تَسَخَّطَ لِلْمَقْدُورِ حَلَّ بِهِ المَحْذُورُ

0:24 - February 08, 2026
رمز الخبر: 3503455

مَنْ تَسَخَّطَ لِلْمَقْدُورِ حَلَّ بِهِ المَحْذُورُبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ تَسَخَّطَ لِلْمَقْدُورِ حَلَّ بِهِ المَحْذُورُ".

معادلة أخرى تربط بين التسَخُّط على الأقدار، وبين جني مزيدٍ من المِحَن والمصائب نتيجة ذلك، فمن لم يملك مهارة التعامل مع الابتلاءات والمِحَن يجلب إلى نفسه مزيدًا منها.

هذه المعادلة تدعونا للتسليم لكل قدر لا يمكننا دفعه، ولكل قضاء لا يمكننا مواجهته، كما لو فقدنا عزيزًا، فإننا لو بقينا الدهرَ كلَّه جزعين باكين لما أمكننا أن نعيده إلى الحياة، بل تعظُمَ علينا مصيبتُنا فيه، وذلك يؤدي إلى نتائج قاتلة في مجمل حياتنا، بل قد يؤدّي إلى سُخطنا على الله تعالى، وهذا أعظم المصائب.

فلنُعرِّف أولًا معنى التسخُّط، ثم نقف على الربط بينه وبين حلول ما يحذر الإنسان منه:

جاء في معجم لسان العرب: السُّخطُ ضد الرِّضا، وهو شِدَّة الغضب. وجاء في معجم مقاييس اللغة: السُّخط أصلٌ يدل على كراهة الشيء والنفور منه. وسَخِط عليه: غضب غضباً شديدًا يورث النفور، وتسَخَّط: تكلَّف السُّخط وأظهر الغضب والاعتراض وعدم القبول. انتهى.

وإنما يتسخَّط الإنسان على قَدَر الله لجهله بصفات وأفعال الله تعالى، وضعف إيمانه بحكمته ورأفته ولطفه، إذ يظن أن ما يجري عليه عبث، أو ظلم، أو إهمال لأمره، والإنسان يريد للقدر أن يصب دائمًا في مجراه وأن يكون لصالحه. كما ينشأ التسخُّط من جهله بقوانين الحياة وتحولاتها ومعادلاتها، متوهّمًا أنَّ من حقِّه أن يحصل فيها على جميع رغباته، وألا يُصاب فيها بمكروه، من مرض، أو خسارة، أو حزن، أو سوى ذلك. وهو غافلٌ عن أن الدنيا دار بلاء وامتحان، ودار عمل وكَدٍّ وسَعيٍ. ويدعوه إلى التسخط أيضا فهمه القاصر للأحداث، ونظرته السطحية التي تكتفي بالظاهر دون أن تنفذ إلى الباطن، فكم من ظاهر لا يَسُرّ وباطنه مليء بالخير، وكم من بداية قاسية عاقبتها خير وفلاح وسعادة. وقد ينشأ التسخُّط من مقارنة المَرءِ نفسه بالآخرين، فينظر إلى النعم التي في أيديهم ولا يرى ما أُعْطِيَ هو من نِعَمٍ أخرى.

هذه مناشئ السخط والأسباب الداعية إليه. أما آثاره النفسية، فحدِّث ولا حرج، إنه يدمِّر الإنسان نفسيًا بقلق مُزمِن، واكتئاب متواصل، واضطراب دائم، وشعور بالحرمان والظلم، وفقدان الطمأنينة والسكينة، والغرق في اليأس، والحقد. والسُّخطُ يدمِّر عقيدة الإنسان، إذ يسيء الظن بالله، ويشكك في عدله، ويعترض على حكمته، وهذا انحراف عقائدي خطير، لأن الإيمان بالله ووحدانيته وحكمته يقوم على التسليم لحكمة الله. ناهيك عن آثاره على حركته في واقع الحياة، إذ يتحول إلى شخص متمرّد، ومتواكل، ومتهوِّر، وغالبًا ما ينتهي أمره إلى الانسحاب من الحياة، إمّا بالانزواء، أو بالانتحار.

ولهذا حذَّرت الروايات الشريفة من السخط، ومن ذلك ما رُوِيَ عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: *"كَيْفَ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا، وَهُوَ يَسْخَطُ قِسْمَتَهُ، وَيَحْقِرُ مَنْزِلَتَهُ، وَالْحَاكِمُ عَلَيْهِ اللَّهُ، وَأَنَا الضَّامِنُ لِمَنْ لَمْ يَهْجُسْ فِي قَلْبِهِ إِلَّا الرِّضَا أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيُسْتَجَابَ لَهُ".

ومن ذلك الحديث القدسي: " قَدَّرْتُ الْمَقَادِيرَ، وَدَبَّرْتُ التَّدْبِيرَ، وَأَحْكَمْتُ الصُّنْعَ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا مِنِّي حِينَ يَلْقَانِي، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ مِنِّي حِينَ يَلْقَانِي".

مِمّا سبق يتضح لنا الربط بين التسخّط على المقدور وحلول المحذور، لأنَّ السُّخط يُعمي بصيرة الإنسان، فيفقد القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، ويتصرف بانفعال، ممّا يؤدي به إلى التهور، وهو يبحث عن الخلاص بأي وسيلة ولو كانت عواقبها مُدمِّرة.

captcha