ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ دارَى النَّاسَ أَمِنَ مَكْرَهُمْ

22:49 - February 08, 2026
رمز الخبر: 3503469

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية "السيد بلال الوهبي"

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ دارَى النَّاسَ أَمِنَ مَكْرَهُمْ".
 
معادلة مُهِمَّة، ومُلهِمَة، تربط بين مداراة الناس، واللطف بهم وحُسن التعامل معهم، وبين الأمن من مكرهم وشرورهم.
 
المُداراة لُغةً: مِنْ دارى يُداري مُداراةً، من مادة: (دور) الدّالة على اللين والدوران حول الشيء برفق. وتفيد في أصلها: المُلاينة والرِّفق، والمُصانعة، واحتمال الأذى، وحُسن المعاشرة، وترك الخشونة مع الناس.
 
والمُداراة في اصطلاح علماء الأخلاق تعني: حُسن التعامل مع الناس، وتجنّب استفزازهم، والتغاضي عن بعض أخطائهم، واحتمال ما يصدر منهم، بقصد دفع الشرّ وجلب المصلحة، دون التنازل عن الحق أو القيم.
 
والمُداراة أسلوب أخلاقي راقٍ في التعامل مع الناس، وقد اعتبرها رسول الله (ص) نصف العقل، لأنها ضرورية في التواصل مع الناس، فالإنسان كائن عاطفي، تحكمه حساسية عالية تجاه كرامته، ولديه نزعة قوية للدفاع عنها، ومَيل قوي للانتقام عند الإهانة، والعلاقة معه لا تُدار بالصدام بل بالحكمة، واللِّين، والرَّحمة، والتودُّد، فالتعامل القاسي والخَشِن مع الآخر يثير العِناد في نفسه، ويحفزه على ردة فعل غاضبة، تتمثل بالانتقام المباشر تارة، وبالمكر الخفي تارة أخرى، وبإيقاظ الضغينة في نفسه.
 
بينما المُداراة: تجنِّب الشخص إثارة التوتر، وتهدّئ غضبه، وتمنع نشوب نار الخلاف الأعمى بينه وبين الآخر، ولهذا قال الإمام أمير المؤمنين (ع): "دَارِ النّاسَ تَسْلَمْ مِنْ أَذاهُمْ"
 
فالمداراة هي فنٌ راقٍ من فنون التواصل مع الآخرين، وقد أثبتت لي تجاربي المديدة، وخبرتي في مشاكل الناس، أن التواصل والتعامل فيما بينهم، مسؤول عن معظم ما ينشب بينهم من خلافات وصراعات، وأن المداراة ضرورية للتعامل مع الآخر حين الاختلاف لتجنُّب تفجير صراع بين الطرفين، ولهذا رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: "رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ فِي غَيْرِ تَرْكِ حَقٍّ". 
وقال أيضاً: "أُمِرْتُ بِمُداراةِ النّاسِ كما أُمِرْتُ بإقامةِ الفَرائِضِ".
 
وإنما كانت المداراة نِصف العقل لأنها تؤدي إلى ما يدعو العقل إليه من احترام الآخرين واللِّين معهم، واستمالتهم، وتأليف قلوبهم، وينهى عن الصدام معهم ما أمكن، ناهيك عن أن العاقل يعرف متى يتكلم، ويعرف متى يصمت، ومتى يواجه، ويختار كلامه بدقة، ويحرص على أن يحتوي الإنسان الغاضب، ويتجاوز عنه، ويتغافل عن هفواته.
 
ومِمّا لا شَكَّ فيه، أن المداراة تحفظ للإنسان هيبته وكرامته، ولا تنتقص منهما، بل هي برهان قوة شخصيته، وثقته بنفسه، وسُمُوِّه الأخلاقي، وهذا خلاف ما يتوهّمه البعض من أن المداراة ضَعف، لأن الضعيف هو الذي يثور سريعاً، ويخاصم كثيراً، ويستهلك أوقاته وطاقته في النزاعات والخلافات، أما القوي، فهو الذي يملِك نفسه، ويُمسِك بأعصابه، والمُداراة ليست سوى ذلك، فهي قدرة فائقة حكيمة على ضبط النفس في التعامل مع الآخرين.
 
وبهذا يأمَن مَنْ يُداري الناس من مكرهم، لأنهم ما يمكرون إلا حين يشعرون بالإهانة، أو حين يُستَفَزّون، ومع المداراة لا يكون استفزاز، ولا إحراج، ولا إهانة، وبذلك تُدفَعُ أسباب الغضب والمكر، فالمداراة ليست فضيلة أخلاقية وحسب، بل هي مهارة ضرورية للتعامل مع الناس والأمن مِن ردَّة أفعالهم السلبية، ومن يتقنها يعِشْ آمناً، مطمئناً، محفوظ الكرامة، قليل الأعداء.
captcha