ایکنا

IQNA

مَنْ اشْتَاقَ أَدْلَجَ

22:10 - February 12, 2026
رمز الخبر: 3503515
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ اشْتَاقَ أَدْلَجَ".
 
لا شيء يحرِّك الإنسان إلى مقصده كما يحرِّكُهُ الشوقُ إليه، فالشوق قوة هائلة تدفعه للمبادرة إلى الحركة باتجاه ما يشتاق إليه، وتمنحه طاقة هائلة يحافظ بها على اندفاعه في السير حتى يبلغ غايته، ومعلوم أن الشَّوْق هو نزوعُ النفس إلى الشيء مع حرارة الوَجْد وتلَهُّف القلب إليه، إنَّه محبَّة مَشوبة بالحنين، ورغبة يرافقها ألم البعد، وتعلّق يدفع إلى التَّطلّب والسَّعي نحو ما يشتاق إليه.
 
المعادلة التي بين أيدينا تتكلم عن العلاقة بين الهدف الذي يحبُّ المَرء أن يحقِّقه والمسارعة في السَّير إليه، وتجنُّب التأجيل والتسويف والمُماطَلَة. فإذا كان الشَّوق هو القوة الدافعة، فإن الإدلاج هو السُّرعة في السَّير والمُبادرة إلى التنفيذ.
 
إن فهمنا لهذه المعادلة متوقِّف على معرفة معنى الإدلاج، (أدلج) لا سيّما أن هذه الكلمة حسب اطلاعي قليل استعمالها في الآونة الأخيرة.
 
قيل في معنى أدلج: أنَّه السَّير في الليل، وقيل: السَّير مبَكِّرًا قبل الفجر، وقيل: السَّير أول الليل، وكان العرب يختارون السفر في الليل لأن الطريق فيه أهدأ، والسَّير فيه أهنأ للدّواب، لانخفاض الحَرِّ فيه بسبب غياب الشمس.
 
 وخلاصة الأقوال: أن الإدلاج هو السَّير في وقت يغفل فيه الناس ويسكُنون، وذلك طلباً للوصول المُبَكِّر قبل اشتداد الحَرِّ أو ضَياع الوقت.
 
وهناك فرق دقيق يذكره اللغويون، وهو أن كلمة (أَدْلَجَ) تستعمل للحديث عن السَّير في آخر الليل، أي وقت السَّحَر، وأن كلمة (ادَّلَجَ) تُستَعمَل للحديث عن السَّير في الليل كله، ولذلك يُقالُ: كان النَّبيُّ (ص) يَسري ويَدَّلِجُ، ويَترفَّقُ ويَستعجِلُ، بحَسَبِ الحاجةِ، وما تقتضيه المصلحةُ.
 
ومن الواضح أن معنى (أدلج) في سياق قول الإمام (ع): "مَنْ اشْتَاقَ أَدْلَجَ" تعبير عن المبادرة والجِدّ، فيكون المعنى الكلي: أن من اشتدَّ شوقه إلى غاية مّا، خرج إليها مُبكِّرًا، وتحمَّل مشقَّة ذلك، ولم ينتظر الظروف المثالية، ذلك أن المشتاق الحقيقي لا يعرف الكسل ولا المُماطلة ولا التأجيل، ولا ينتظر الراحة، لأنَّ راحته تكمن في بلوغه غايته. فغايته تخلق في نفسه قوة دافعة وحركة تلقائية باتجاهها، ولهذا نرى المشتاق لرؤية حبيبه أو للوِصال معه يبادر إلى الاتصال به، أو إلى ملاقاته وسط الطريق، لشدة حرارة وَجْدِه لفراقه، وطالب العلم يسهر اللَّيل كُلَّه طلبًا للعلم، وطالب الثروة يكِدُّ في الليل والنهار، ولا يترك عملًا يجلب إليه الثراء إلا ويباشره، والعابد العاشق يقوم الليل كله، متهجِّدًا في أسحاره، مُناجيًا الله، ملتَذًا بعبادته، مستأنسًا بذكره.
 
فالمشتاق لا يستطيع النوم طويلًا، لأن حرارة الشوق في قلبه تمنعه من النوم، لذا، فالإدلاج هو النتيجة الطبيعية لشخص امتلأ قلبُه بهدفٍ عظيمٍ، سواء كان هذا الهدف معنوياً (كالقرب من الله) أو مادياً (كالنجاح والتفوق).
captcha