
بارك ممثل آية الله العظمى
السيد علي السيستاني في أوروبا للعالم الإسلامي بقرب حلول
شهر رمضان المبارك وقال إن هذا الشهر الكريم ليس ضيفاً عابراً بل هو فرصة عمر متجددة ومشروع إصلاح متكامل لا ينجح الا بحسن الاستقبال بالمعرفة والتوبة والتنظيم والعمل فمن أقبل عليه بهذه الروح خرج منه وقد تغير قلبه وارتقت نفسه وتبدلت أولوياته.
اذا: فكيف نستقبل هذ الشهر الكريم:
نستقبله بالامور التالية:
أولاً: الاستقبال المعرفي والايماني لشهر رمضان
ومعنى ذلك إدراك معرفة هذا الشهر ومنزلته عند الله تعالى وهو الشهر الذي اختاره الله لانزال كتابه الخالد "شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"، وفي الحديث الشريف عن
الرسول الأعظم (ص) (اقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة) فهو شهر الله واضافته الى الله تعالى تشريف عظيم يدلّ على خصوصيته وقدسيته، ولهذا ورد عدم استعمال لفظة (رمضان) دون إضافة كلمة (الشهر) كونه إسم من أسماء الله تعالى.
ثانياً: إستحضار الهدف من الصيام
فالصيام لم يشرع لمجرد الامتناع الجسدي بل لتحقيق التقوى "يا ايها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".
وعليه، فإن الاستقبال الإيماني يقتضي أن يسأل المؤمن نفسه ما الذي أريد تغيره في نفسي خلال هذا الشهر؟
وأي درجة من التقوى أطمح أن أصل إليها؟
ثالثاً: الاستعداد الروحي والنفسي
فالتوبة الصادقة وتصفية القلب من أهم ما يستقبل به شهر رمضان ، إذ لا يمكن لقلب مثقل بالذنوب أن يتلذذ بأنوار هذ الشهر. وقد ورد عن الإمام علي (ع) (طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء)، فينبغي للمؤمن أن يدخل شهر رمضان بقلب نظيف خال من الأحقاد نادم على ما مضى عازم على الإصلاح.
رابعاً: التهيؤ النفسي وترك العادات السلبية
الإستعداد النفسي يعني تهيئة الروح لقبول الطاعة، وتخفيف التعلق بالماديات، والتدرب قبل شهر رمضان على ضبط اللسان وتقليل الانشغال باللهو وتعويد النفس على الذكر والدعاء.
فمن دخل عليه شهر رمضان وهو أسير عاداته خرج منه كما دخل وكان من مصاديق الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر).
خامساً: الاستقبال العملي والعبادي
وذلك بوضع ببرنامج عبادي متوازن، فمن الحكمة أن يستقبل المؤمن شهر رمضان برئامج واضح، يشمل قراءة يومية للقرآن (ولو صفحة بتدبر) والمحافظة على الصلوات في أوقاتها وتخصيص وقت للدعاء و المناجاة ولا سيما أدعية أهل البيت (ع) ، والإكثار من الاستغفار والصلاة على محمد وآل محمد.
وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) (لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان).
سادساً: التفاعل مع القرآن الكريم
شهر رمضان هو شهر القرآن، والاستقبال الصحيح له يكون بجعل القرآن محور الحياة اليومية قراءةً وفهماً وعملاً، فالقرآن لا يريد قارئاً فحسب، بل انساناً قرآنياً يجسد القيم التي يحملها كتاب الله المنزل لقوله تعالى "كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور باذن ربهم الى صراط العزيز الحميد"، و"هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين".
سابعاً: الاستقبال الاجتماعي والأخلاقي
من معالم استقبال شهر رمضان هو الإحسان إلى الآخرين وصلة الأرحام ومساعدة الأرامل والايتام وتوسيع دائرة الخير لتشمل إدخال السرور على قلوب المؤمنين المحتاجين لقوله (ص) (وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُم وَمَسَاكِينِكُم، وَوَقِّرُوا كِبَارَكُم، وَارحَمُوا صِغَارَكُم، وَصِلُوا أَرحَامَكُم، وَاحفَظُوا أَلسِنَتَكُم، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيهِ أَبصَارَكُم، ... أيها الناس! مَن فَطَّرَ مِنكُم صَائِماً مُؤمِناً فِي هَذَا الشَّهرِ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِندَ الله عِتقُ نَسَمَةٍ، وَمَغفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِن ذُنُوبِهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! فَلَيسَ كُلُّنَا يَقدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ (ص) اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشَربَةٍ مِن مَاءٍ).
ثامناً: تهذيب الأخلاق وضبط السلوك
الصيام الحقيقي هو صيام الجوارح، صيام اللسان عن الغيبة والكنب، صيام العين عن الحرام، صيام القلب عن الحسد والكبر، وفي الحديث (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسائك).
اذن فلنستثمر هذه الفرصة الثمينة في تعميق الوعي بالقيم الإسلامية الأصيلة، وترسيخ ثقافة الحقوق والواجبات، والارتقاء بأخلاقنا وسلوكياتنا، لنكون حقًا من المتقين الذين يخشون الله في السر والعلن، ويعاملون الناس بما يحب الله ويرضى، وبذلك نحقق المقصد الأسمى من الصيام "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
اللَّهُمَّ قَدْ حَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَدِ افْتَرَضْتَ عَلَيْنَا صِيَامَهُ، وَأَنْزَلْتَ فِيهِ الْقُرْآنَ، هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ. اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَعِنَّا عَلَى صِيَامِهِ، وَتَقَبَّلْهُ مِنَّا، وَسَلِّمْنَا مِنْهُ وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا، فِي يُسْرٍ مِنْكَ وَعَافِيَةٍ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
المصدر: najaf.org