
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي
ورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِما لا يَجِبُ ضَيَّعَ مِنْ أَمْرِهِ ما يَجِبُ".
في هذه الجوهرة الكريمة ينبهنا الإمام أمير المؤمنين (ع) إلى خطأ قاتل يقع فيه معظمنا، إنه الانشغال بما لا يجب، فنضيِّع ما يجب، كمن يواظب على صلاة الليل المستحبة، ويترك أداء صلاة الصبح الواجبة، أو ينفق المال على كلب يقتنيه، وفي جواره أخٌ أو جارٌ جائع، ليس لديه طعام يأكله، ولا دواء يداوي مرضه، أو أبٍ يهتمُّ بأولاد الآخرين ويترك أولاده نهبًا للشيطان يأخذهم حيث يشاء، وأَنَّى يشاء، ويَفتِك بأخلاقهم ودينهم، أو طالب يترك المذاكرة لامتحان مصيري قريب، ويشغل نفسه بلعبة إليكترونية، أو مشاهدة فيلم، أو أي شخص يلهو بأمور ثانوية ويترك واجبات أساسية، يقدِّم غير الُمهم على المُهم، لا يرتِّب أولوياته، ولا يعرف كيف يدير وقته، والوقت هو أغلى ما يملكه، إنه عمره المَعدود والمَحدود، الذي يتناقص مع كل ثانية، وهو غافل عن ثلاثة حقائق أساسية:
الحقيقة الأولى: محدودية الإنسان، عمره محدود، والزمن الذي يعمل فيه محدود، وجهده محدود، وتركيزه محدود، وقدراته الذهنية والنفسية محدودة. قال تعالى: وَالْعَصْرِ ﴿1﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿العصر:2﴾. والخُسْرُ هنا خسارة العمر، وتلك خسارة لا يمكن تعويضها بحال من الأحوال، فما فات مات، وما انقضى مضى، إلا أن يستغلَّه الشخص فيما هو ضروري له.
الحقيقة الثانية: تزاحم واجباته وأعماله، فالواجبات تتزاحم، ويتقدم بعضها على بعض بحسب الضرورة، والحاجة، والوقت، والأثر، والعواقب.
الحقيقة الثالثة: إذا شغل الإنسان نفسه بأمور ثانوية، فإنه يصرف وقته وجهده وقدراته عن شيء أولى له وأوجب.
ومما لا شَكَّ فيه أن العقل يحكم بأن: ما لا يمكن الجمع بينه يجب ترجيح الأهمّ فيه، ولهذا قالوا: تزاحم الواجبات يُوجب تقديم الأهمّ على المهمّ، فلو كان أمام الإنسان: واجبٌ عاجل لا يقبل التأجيل، وأمرٌ ثانوي قابل للتأجيل فانشغاله بالثانوي غير الواجب تفريط في الأساسي الواجب.
والقرآن الكريم يدعو في كثير من آياته الكريمة، إلى التمييز بين الأمور، وعدم التسوية بين المتفاوت منها، وينهى عن الإسراف في العمر والوقت والجهد، ويدعو إلى استثمار جميع ذلك فيما يجب، واجتناب كل ما يُلهي عن الواجب والضروري من الأمور، ويحذِّر من الانشغال بالمظاهر والأمور الثانوية عن الغاية الكبرى، من ذلك قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿1﴾ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿التكاثر: 2﴾ أي التهيتم بالتكاثر في الأموال، والمَتاع، والعِقار، والمناصب، والجاه، عن العمل الضروري لحياتكم وبعد حياتكم هذه.
ولم أجد فكراً سبق الإسلام في الاهتمام بالوقت، وتقسيمه، واستغلاله بأمثل الطُّرق، والاشتغال بما يجب، وترتيب الأولويات، وتقديم الأهم على المهم، وها هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، يقدم لنا برنامجًا جامعًا لتنظيم الوقت وتقسيمه بشكل متوازن يتيح لنا الحصول على جميع حاجاتنا، فيقول: "اجْتَهِدُوا أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ: سَاعَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ، وَسَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ، وَسَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ، وَسَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلذَّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ".
فانطلاقًا من هذا الحديث الجامع، يمكننا رسم سلّم الأولويات في الإسلام كالتالي: الواجبات الشرعية (العبادات)، والواجبات المهنية والعملية والعلمية التي يحتاجها الإنسان لتأمين معيشته، والواجبات الأسرية والاجتماعية، والحاجات الشخصية المباحة.