ایکنا

IQNA

نصيحة الى الشيعة في زمن العواصف: انه الزلزال الكبير

18:10 - March 03, 2026
رمز الخبر: 3503765

بقلم الکاتب والمحلل السیاسی اللبنانی الدکتور ناجي علي أمهز

البداية من قرا لي يعرف انني كنت دقيقا للغاية فيما تحدثت عنه حتى في اغرب المقالات والتحليلات التي لم يكن يتقبلها عقل حصلت مع انني تحدثت عنها قبل سنوات طويلة، واليوم اناشدكم لانه في الأزمنة العادية تُقال الكلمات على مهل، أمّا في الأزمنة الاستثنائية فتُوزن بميزان الدم.

ومن هذا الميزان أكتب، نصيحة صريحة إلى الشيعة بصورة خاصة، وإلى اللبنانيين بصورة عامة.

لقد بلغ الشيعة، كما سائر المكوّنات حين تمرّ بلحظة امتحان وجودي، مرحلةً يشعر فيها الجمع أنّ الخطر يتجاوز السياسة إلى الكينونة. هذا الشعور، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع توصيفه، هو شعور حقيقي عند الشيعة اليوم وقبلها كان عند المسيحيين في المنطقة. لكنه لا يعني ضعفاً، ولا يشي بانكسار محتوم. فالطوائف، حين تتحول إلى جماعات قلقة على مصيرها، قد ترتبك؛ لكنها أيضاً قد تعيد اكتشاف ذاتها على نحوٍ أعمق.

غير أنّ السؤال الأهم ليس: ماذا يحدث اليوم؟

بل: أين سيكون الشيعة غداً داخل لبنان، وداخل الشرق الأوسط، وداخل المعادلة الدولية المتبدلة؟

في مثل هذه اللحظات، أول الفضائل هي ضبط النفس، والتزام الصمت المبطق حتى تخرج الدماء من الشفاه.

الصمت هنا ليس خوفاً، بل حكمة. والكلمة غير المنضبطة قد تُحدث من الأذى ما لا تُحدثه قذيفة. 

على الشيعة عدم الانجرار خلف الإعلام، سواء هلّل أو حرّض أو هوّل، فالكلام لا يصنع الوقائع في حروب الدول بل يضاعف ارتداداتها. أما الوقائع فتصنعها موازين القوى الباردة، والقدرة على الصبر، وضرورات البقاء.

هنا أصل المسألة:

الشيعة في لبنان ليسوا جسماً خارج الدولة، بل هم ركنٌ من أركانها وسيادتها واستقلالها. والدولة، مهما اختلف معها أو عليها، تبقى الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع. في علم السياسة، لا تُدار الحروب بمنطق العقيدة وحدها، بل بمنطق تقليل الخسائر وحصر النار. أن تبقى بقعة آمنة في شرق اوسط مشتعل هو إنجاز، لا تراجع. وأن تتخذ الدولة موقفاً يحاول تجنيب البلاد الحرب الشاملة، فذلك من صلب وظيفتها، لا خيانةً للقضية والشعب.

الدول لا تستطيع أن تتحمّل حصاراً مطلقاً أو حرباً مفتوحة بلا أفق. عليها أن تؤمّن الحد الأدنى من الحياة، من الخبز إلى الدواء والمحروقات. وفي الحروب الكبرى، تصبح الليونة السياسية فريضة وجودية. ليس المطلوب دائماً موقفا صلبا، او انتصاراً مدوياً؛ أحياناً يكفي أن تنجو الجماعة من الزلزال بأقل الخسائر.

وللشيعة في لبنان تمثيلهم ووزراؤهم ونوابهم ومؤسساتهم. لديهم أدوات دستورية لإدارة الأزمة ضمن الأطر الوطنية. المسألة أكبر من حزب وأكبر من طائفة؛ إنها مسألة شرق اوسط يتداعى إن لم يُمسك الجميع أعصابهم.

أما على المستوى الشيعي، فالتاريخ يُظهر أن الطوائف عندما تتخذ الخيارات الكبرى، وحين تبلغ ذروة الصراع، تصبح خياراتها محدودة بين تسوية مؤلمة أو مواجهة قصوى. في مثل هذه اللحظات تتحول الشخصيات من قادة إلى رموز، ويتجاوز حضورهم السياسة إلى الوجدان. بعض القادة يختار النهاية الاستشهادية مع انه يمكنه النجاة منها لو اراد الاستمرار في الحياة، لكنه يسلك هذا الطريق من اجل استمرار اتباعه، وترك الخيارات لهم، فيتحول موته إلى معنى، لا يموت.

إن العالم يدخل مرحلة يمكن تسميتها “مرحلة الوضوح القاسي”. التوازنات الهشة تتهاوى، والاصطفافات تصبح أكثر صراحة. غير أن الثابت في هذا الشرق أن لا مكوّناً يمكن إلغاؤه. الشيعة، كما غيرهم، ضرورة في معادلة المنطقة. وأي مشروع يستند إلى الإلغاء هو مشروع مؤقت، لأن التاريخ لا يستقر على نفي جزء من ذاته.

النصيحة الأخيرة، وهي الأشد إلحاحاً:

إياكم والخروج على الدولة مهما اشتدت المرارة. تمسّكوا بها، لأنها الإطار الوحيد الذي يحمي الجميع حين تتكاثر العواصف. قيادات الدول توضع أحياناً أمام خيارات مُرّة، لكن السياسة فنّ الموازنة بين الممكن والمستحيل. والمقاومات في التاريخ لم تكن يوماً محل إجماع، كما أن الطوائف التي خاضت تجارب قاسية — ومنهم الموارنة قبل عقود — لم تجد خلاصها إلا بالعمل الصامت،  والمحاولة مرارا وتكرارا.

هذه الحرب، مهما تعاظمت، ليست نهاية التاريخ. قد تكون بداية تحوّل عميق. غير أن التحوّل لا يُدار بالشعارات بل بفهم تركيبة العالم كما هو، لا كما نرغب أن يكون. من لا يتكيّف مع المتغيرات بوعيٍ ومعرفة، يجد نفسه أمام أزمة وجودية حقيقية.

لبنان لا يحتمل هذه المتغيرات الكبرى، لكن بالمقابل مهما بدا المستقبل قاتماً، يُصنع بالعقل البارد لا بالغضب.

في زمن العواصف، فلنتمسّك جميعاً بالوحدة الوطنية لأنها رغم تصدّعها بسبب الضغط العسكري والسياسي الكبير على المنطقة، لكنها آخر ما تبقّى لنا من معنى مشترك.

captcha