بقلم رئیس منتدی البحرین لحقوق الانسان باقر درويش
لا تستطيع إجراءات وزارة الداخلية في ملاحقة منتقدي التواجد العسكري الأمريكي والإسرائيلي في البحرين من إقفال ملف ماعاد مسكوتا عنه، وهي الأسئلة التي ظنت الحكومة بأنَّه لن يأتي يوم ويثيرها الرأي العام المحلي والعربي والإسلامي في آن، ولكن الزمن تغير.
ومن هذه الأسئلة: هل التواجد العسكري الأجنبي متوافق مع مفهوم السيادة الكاملة؟ وما تأثيره على الهوية الوطنية؟ وهل يملك المواطن حق المسائلة لهذا الوجود الأجنبي؟ وهل يمكن لدولة تستضيف قاعدة لقوة عظمى أن تتخذ قرارات خارجية مستقلة؟ وما تأثير هذا الوجود على البحرين في ظل الحروب المتنقلة؟ ألم يصبح عبئا يستدعي إعادة التفكير في شكل العلاقة الأمنية في المنطقة؟ وهل الأمن الحقيقي لأي بلد يتحقق بالاعتماد على القواعد العسكرية الأجنبية أم بتعزيز السيادة الوطنية؟ وماذا نستفيد من تجارب دول أعادت التفاوض وأنهت الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها؟
كثيرة هي الأسئلة، غير أنَّنا لا يجب أن نغفل وإن _ كان دونالد ترامب داس على ميثاق الأمم المتحدة _ الإشكالية الأولى حول الواقع القانوني، رغم وجود اتفاقيات أمنية بين الطرفين، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ هنالك تفويض شعبي بالتزام عسكري سيادي، الاتفاقيات الرسمية لا تعني بالضرورة المشروعية السياسية؛ فللشرعية الشعبية لها طريق واضح إما عبر برلمان منتخب كامل الصلاحيات أو باستفتاء شعبي، والأكيد أنَّ الأسطول الأمريكي الخامس لم ينشئ وفق هذه الآليات في دولة تعاني من أزمات متلاحقة، مازالت أبواب السجون السياسية فيها مفتوحة لكل من يطلق نقدا لسياسات الحكومة.
عموما، مناقشة الواقع القانوني تحتاج إلى رأي مختص، ولكن هذا سبب رئيس يجيب على عنوان المقال، وأيضا على حملات التحريض؛ فالسيادة الوطنية لا تجزأ، فضلا عن أنَّ الكرامة السياسية للشعوب لا تنفصل عن السيطرة على الأراضي الخاصة بها، ونحن هنا أمام دولة تتقاسم معك القرار الأمني، بل تفرضه عليك فرضا في هذه الحرب الإجرامية على إيران، من يدري ماهي رتبة المسؤول العسكري الأمريكي الذي يوجه وزير الداخلية أو القائد العام لقوة دفاع البحرين، ألم نشاهد كيف يحتقر ترامب حلفائه ويهينهم على الهواء مباشرة.
والسؤال هنا: هل تملك الغرفة الأمنية في وزارة الداخلية الإجابة حول فائدة استمرار التواجد العسكري الأمريكي خصوصا بعد هذه الأضرار العديدة التي لحقت بالبحرين نتيجة استخدام أراضيها للاعتداء على دولة جارة مسلمة، طبعا سيطلب ترامب التعويض المالي للأضرار اللاحقة بالقاعدة العسكرية الأمريكية من موازنة البحرين، التي تتحين الفرصة لزيادة الضرائب وتكريس الفشل الإقتصادي نتيجة السياسات غير الرشيدة، ومنها الإنفاق العسكري المجنون لتغليظ اليد الأمنية في الداخل.
نشئ الوجود العسكري الأمريكي في البحرين للمرة الأولى خلال الحرب العالمية الثانية عند استخدام منشآت بريطانية، واستمر التعاون العسكري بعد استقلال البحرين، وصولا إلى تحويلها مقرا دائما للأسطول الخامس منذ 1995؛ ليصبح أحد أبرز أدوات النفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة، لكن هذا الوجود خضع لتحولات سياسية وعسكرية منذ الأربعينيات، وكان لحرب 1991 مع العراق أثر في إعادة تشكيل هذا الوجود العسكري بالمنطقة، ما يعني بأنَّه وجود قابل للتقييم.
هذا لا ينفصل عن توجه الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية إلى إنشاء مئات القواعد العسكرية واستخدامها لدعم عملياتها القتالية ولإبراز قوتها العسكرية من أجل ردع خصومها ودعم مصالحها الوطنية وأهدافها الاستيراتيجية والأمنية، ويشير تقرير صادر عن "خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو 2024 إلى أنَّ الجيش الأميركي يمتلك أو يستخدم أكثر من 128 قاعدة عسكرية في 51 دولة في العالم".
إنَّ هذه الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران، يجب أن تشكل فرصة لمسار إنهاء التواجد العسكري الأمريكي في منطقتنا؛ خصوصا وأنَّه يصب في صالح المشاريع الاستعمارية وتقسيم المنطقة ومشروع إسرائيل الكبرى.
في سنة 1992 بعد تصاعد الاحتجاجات والضغط الشعبي على النخب السياسية اضطر البرلمان الفلبيني رفض تجديد الاتفاقية وإغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية، رغم أنَّ الفلبين دولة حليفة للإدارة الأمريكية واتجهت نحو السيادة التفاوضية، كما أنَّ التجربة بتفاوت بين تقليص الحضور بدرجات متفاوتة قد تنوعت بعد الأزمات التي خلفها مثل هذا الوجود في عدة دول من بينها إسبانيا والإكوادور وأوزبكستان وغيرها، والبحرين خصوصا والخليج عموما ليس استثناء. حان الوقت لمغادرة هذه القواعد منطقتنا.