
فيما يلي نصّ البيان:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾
في زمنٍ تختلط فيه المفاهيم، وتُقلب فيه الموازين، ويُراد فيه للحق أن يُدان، وللمقاومة أن تُجرَّم، تبرز الحاجة إلى كلمةٍ قرآنيةٍ صادقة، تعيد الأمور إلى نصابها، وتكشف زيف التصوير المجتزأ للواقع.
وإذ تتابع مؤسسة (ن) القرآنية في اليمن ما يصدر عن بعض المؤسسات الدينية الكبرى، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ـ من بيانات ليست من ميزان القرآن الكريم الداعي إلى نصرة الحق ـ ، فإن المؤسسة تستشعر خطورة الكلمة حين تنفصل عن سياقها الكامل، وحين تُغفل جذور الصراع، فتساوي ـ بقصد أو بغير قصد ـ بين من يباشر العدوان، ومن يتصدى له دفاعًا عن الأمة وكرامتها.
إن المرحلة التي تمر بها الأمة ليست مرحلة بيانات عابرة، بل مرحلة فرزٍ بين مواقف تُنصف المستضعفين، وأخرى تُضعف حضور الحق في الوعي العام، ومن هنا، كان لزامًا أن يُقال الحق كاملًا، مستندًا إلى كتاب الله، بعيدًا عن الضغوط والتجاذبات، ومنحازًا لميزان العدل الذي لا يميل، ولذلك فقد حرصنا على أن نخاطب علماء الأزهر الشريف من منطلق المسؤولية الشرعية، لا الخصومة، ومن باب التذكير بواجب الكلمة التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾.
فلقد تابعنا البيان الصادر عن الأزهر الشريف بشأن ما يجري في المنطقة، وما تضمّنه من توصيفاتٍ حمّلت طرفًا بعينه وهو الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسؤولية الاعتداء، دون تبيّنٍ كافٍ للسياق الكامل للصراع، ولا تمييزٍ دقيق بين العدوان المحرّم والدفاع المشروع.
وإننا ـ استنادًا إلى هدي القرآن الكريم ـ نؤكد أن القتال في الإسلام ليس اعتداءً مطلقًا، بل هو مقيد بدفع الظلم وردّ العدوان، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.
وإن استهداف المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة والتي تُستخدم في العدوان على بلدان اسلامية يختلف جوهرياً عن استهداف المدنيين، وهو ما يجب بيانه بوضوح في الخطاب الشرعي،كما نؤكد أن تحريم دماء المدنيين أصل لا خلاف عليه، وهو ميزان نقيس به كل الأفعال، دون انتقائية أو تعميم، وأن الإنصاف يقتضي التفريق بين من يوجّه ضرباته لأهداف عسكرية، ومن يوسّع دائرة الأذى لتشمل الأبرياء.
إن مكانة الأزهر الشريف في وجدان الأمة تفرض عليه أن يكون صوتًا جامعًا لا طرفًا في الاستقطاب وميزانًا للعدل لا صدى للضغوط السياسية، وناطقًا بالحق كاملًا لا مجتزأً، ولذلك فإن مؤسسة (ن) القرآنية تخشى أن تؤدي البيانات غير المتوازنة إلى تشويش وعي الأمة، وإضعاف الثقة بالخطاب الديني حين لا يعبّر عن كامل الحقيقة، وخاصة أن بيانكم الأخير جاء منفصلًا عن سياقٍ واضح تعيشه الأمة منذ عقود، حيث تتعرض لمشاريع هيمنة واعتداء مستمر، في حين نشأت جبهة مقاومة في وجه هذا الواقع، عُرفت اليوم بما يُسمّى بـ"محور المقاومة".
وإننا نؤكد أن هذا المحور ـ بما فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ لا يقدّم نفسه إلا بوصفه جبهة مواجهة للعدوان، ونصرة للمستضعفين وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾وأن تحرّكاته العسكرية، حين تتجه نحو قواعد ومنشآت تُستخدم في العدوان، إنما تقع ضمن إطار الدفاع المشروع الذي أقرّه القرآن، لا ضمن مفهوم الاعتداء المحرّم حيث قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
إن تجاهل هذا الامتداد الطبيعي لمبدأ نصرة المستضعفين، وتصوير قوى المقاومة وكأنها مصدر الخطر، يُعدّ انحرافًا عن القراءة القرآنية للواقع.
وعليه، ندعوكم إلى إعادة النظر في المواقف بما يحقق العدل القرآني الشامل ، وتقديم خطابٍ يضع كل فعل في سياقه، ويُحمّل المسؤولية لمن باشر العدوان، دون تعميم أو اختزال، ونذكّركم بقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
فالكلمة أمانة، والبيان شهادة، والتاريخ لا ينسى مواقف العلماء حين تختلط الفتن. نسأل الله أن يوفّقكم لما فيه نصرة الحق، وجمع كلمة الأمة، والقيام بواجب البيان كما أراده الله تعالى.
والله من وراء القصد.