
لفهم عمق الكارثة التي حلت بالتراث الثقافي الإيراني، لا بدّ من الإجابة أولاً على السؤال الجوهري والفلسفي: ما هي الحضارة؟ ولماذا يُعدّ الحفاظ على رموزها المادية أمراً بالغ الأهمية في عالمنا المعاصر؟
الحضارة ليست مجرد مجموعة من المباني القديمة ذات الأعمدة الحجرية، أو التحف المعروضة في المتاحف، أو المخطوطات المحفوظة في المكتبات، بل هي تجسيد لوعي الأمة، وجمالياتها، ومعاناتها، وفرحها، ونظرتها للعالم، وتطورها التدريجي عبر آلاف السنين.
عندما قام مهندس معماري إيراني، قبل قرون، بأناقة لا مثيل لها ودقة رياضية لا متناهية، بتجميع قطع من البلاط الأزرق والفيروزي ليُشيّد قبة مسجد أو سقف قصر، كان في الواقع يُسطّر تاريخ الروح الإنسانية في الشرق الأوسط.
في القانون الدولي، والاتفاقيات، وأعراف الحرب، تُعدّ الاعتداءات على المواقع التاريخية والثقافية خطاً أحمرا صارخاً، لطالما أدان المجتمع الدولي تجاوزه بأشد العبارات.
بعد الدمار المروع والتطهير الثقافي الذي شهدته الحرب العالمية الثانية، خلص العالم المتحضر إلى أن بعض الكيانات أسمى من الصراعات السياسية والتفوق العسكري. وقد أثمر هذا الوعي العالمي عن صياغة اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.
بموجب هذه الاتفاقية وبروتوكولاتها الإضافية، تلتزم أطراف النزاع بالامتناع عن أي عمل عدائي أو قصف أو استخدام عسكري للمعالم التاريخية والمتاحف والأعمال الفنية والمكتبات والمواقع الدينية التاريخية والمحفوظات الوطنية. ويجب أن تبقى هذه المواقع منفصلة تماماً عن مناطق العمليات العسكرية، ويُصنف استهدافها المتعمد والعشوائي على أنه "جريمة حرب" و"تدمير متعمد لتراث الإنسانية".
وصرّح وزير التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية في إیران "سيد رضا صالحي أميري" بأنه استنادًا إلى التقارير الموثقة والدراسات الأولية التي أجراها خبراء الوزارة، فقد لحقت أضرار جسيمة بنحو 140 معلماً تراثيًا قيّمًا في إيران نتيجة لهذه الهجمات.
ولا يقتصر حجم هذا الدمار على موقع أو مدينة محددة، بل امتدت آثار هذا الاشتباك المدمر لتطال معالم تاريخية في 20 محافظة من البلاد. ويشير هذا الانتشار الجغرافي إلى حجم الضرر الذي لحق بالنسيج الثقافي للبلاد.
لقد عانت طهران، وهي مدينة كبرى تمثل القلب النابض لتاريخ إيران المعاصر وتطوراتها السياسية والاجتماعية على مدى القرنين الماضيين، أكثر من غيرها من هذا الدمار والخسارة، حيث تضررت 63 معلماً أثرياً.
إذا كانت طهران هي القلب السياسي والمعاصر لإيران، فإن أصفهان بلا شك هي روحها الجمالية والهندسية والمثالية؛ العاصمة الصفوية الرائعة لإيران، المدينة التي تُعرف بحق في الأدب العالمي باسم "نصف العالم"، هي الآن ثاني أكبر ضحايا هذا الغزو الوحشي، حيث تضرر 23 معلماً أثرياً.
إنّ مهاجمة المواقع الثقافية ورموز الحضارة محاولة يائسة وعمياء ولا إنسانية لمحو آثار أمة من على وجه الأرض وخلق فراغ هوية. لكن الحضارة الإيرانية أثبتت مراراً وتكراراً على مرّ العصور، من غزوات الإسكندر والمغول إلى الأزمات المعاصرة، أنها صمدت في وجه الهجمات وستبقى خالدة.


