
وأفاد الموقع الاعلامي لرئاسة الجمهورية أنه أعرب رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، الدكتور مسعود بزشكيان في هذه الرسالة عن تقديره للمواقف الأخلاقية للبابا ليو الرابع عشر بشأن الاعتداءات الأخيرة للولايات المتحدة و
الكيان الصهيوني على إيران، مؤكداً على ضرورة أن يتبنى المجتمع الدولي نهجاً واقعياً وعادلاً، ودعا دول العالم إلى مواجهة المطالب غير القانونية والسياسات المغامرة والخطيرة للولايات المتحدة.
وفيما يلي نصّ رسالة الدكتور مسعود بزشكيان:
"بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾
القرآن الكريم، سورة فصلت، الآية 15
«إنّ بداية الكبرياء هي ابتعاد الإنسان عن الله وانصراف قلبه عن خالقه، لأنّ أصل الخطيئة هو الكبرياء، ومن يتمسّك بها يسكب الشرور. ولذلك أنزل الله عليه البلايا القاسية وأهلكه تماماً، وأسقط عروش الحكّام المتكبّرين وأقام المتواضعين مكانهم».
الإنجيل المقدّس، سفر يشوع بن سيراخ 10: 12-13
صاحب القداسة البابا ليون الرابع عشر
الزعيم المحترم للكاثوليك في العالم
أبعث إلى جنابكم أحرّ تحياتي الودية، وأتقدّم بالشكر لكم على مواقفكم الأخلاقية والمنطقية والمنصفة إزاء الهجوم الذي شنّته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية 28 فبراير 2026 م والذي جاء للمرة الثانية وفي خضمّ المفاوضات بين هذا البلد والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بذرائع واهية وفي تعارضٍ صارخ مع القانون الدولي، وبمشاركة الكيان الإسرائيلي.
وإثر هذا العدوان غير القانوني من قبل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، تعرّض سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي، القائد الكبير للعالم الشيعي، إلى جانب عدد كبير من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لعمليات اغتيال واستشهاد، كما استشهد 3468 مواطناً إيرانياً، بينهم أطفال أبرياء من مدرسة «شجرة طيبة» في مدينة ميناب، إضافة إلى إلحاق أضرار واسعة ببنانا التحتية، شملت المدارس والجامعات، والتراث الثقافي والأبنية التاريخية، والمراكز التعليمية، والأماكن الدينية من مساجد وكنائس، والمراكز العلاجية، والمنشآت الرياضية، والمستشفيات، والجسور، والطرق، وخطوط السكك الحديدية، ومحطات الطاقة، والمصافي، ومجمعات البتروكيماويات، وهي جميعها تمثّل نماذج واضحة لجرائم حرب.
وكان رئيس الولايات المتحدة قد صرّح، في كلام خطير ومخزٍ، بأنه «ينوي تدمير الحضارة التاريخية لإيران وإعادتها إلى العصر الحجري». إنّ هذه التصريحات، كما أشرتم أنتم أيضاً، تنبع من وهم القوة المطلقة، ومن الغرور والاستعلاء والطغيان والجشع، ومن محاولة حلّ النزاعات عبر العنف المنفلت، وهو أمر لا يستطيع الضمير الإنساني استيعابه أو تحمّله.
إنّ النهج التخريبي للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، وهجماتهما غير المشروعة، لا تستهدف إيران وحدها، بل تستهدف سيادة القانون على الساحة الدولية، والقانون الدولي، والقيم الإنسانية، وتعاليم الأديان الإلهية، ومن البديهي أنّ كلفة هذا النهج الخطير ستطال المجتمع الدولي بأسره.
صاحب السعادة؛
لقد عاش الشعب الإيراني، بمختلف مكوّناته من المسلمين والمسيحيين واليهود والزرادشتيين، قروناً طويلة في أرضه التاريخية جنباً إلى جنب في سلام ووئام، كما أقام علاقات قائمة على التعايش والتسامح مع جيرانه، ولا سيما دول الضفة الجنوبية للخليج الفارسي، استناداً إلى الروابط التاريخية والثقافية والدينية المشتركة.
إلّا أنّ وجود القواعد العسكرية الأمريكية في أراضي دول الخليج الفارسي، والتي استُخدمت للأسف خلال الحرب الأخيرة لشنّ العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دفع القوات المسلحة الإيرانية، وفي إطار الدفاع المشروع ومواجهة العدوان، إلى استهداف مواقع ومصالح المعتدين داخل أراضي تلك الدول. ومع ذلك، يشهد التاريخ بأنّ إيران لم تشكّل يوماً تهديداً لسيادة جيرانها أو لوحدة أراضيهم، وما زالت تسعى إلى إقامة أفضل العلاقات معهم، وإلى العيش في المنطقة بأمن وسلام ورفاه.
أمّا الظروف الراهنة في مضيق هرمز الاستراتيجي فهي نتيجة مباشرة للهجمات غير القانونية التي شنّها المعتدون، واستخدامهم أراضي وأجواء الدول المطلة على الخليج الفارسي لتنفيذ عمليات ضد إيران، إضافة إلى الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران. ومن الطبيعي أنّه بعد زوال حالة انعدام الأمن الحالية، ستعود حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي، كما أنّ إيران ستعمل، في إطار القانون الدولي، على تعزيز ترتيبات الأمن الخاصة بحرية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي، من خلال آليات رقابة وضبط فعّالة ومهنية.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دائماً التزامها بالدبلوماسية والحلول السلمية لتسوية القضايا، بما في ذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا الغرض، وعلى الرغم من الخيانات المتكررة من جانب الحكومة الأمريكية لمسار التفاوض والدبلوماسية، رحّبت إيران بوساطة باكستان، ودخلت مفاوضات إسلام آباد بصدق ومهنية.
إنّ صمود إيران في وجه المطالب غير القانونية للولايات المتحدة يُعدّ دفاعاً عن القانون الدولي والقيم الإنسانية السامية. ولذلك، فإنّ المجتمع الدولي مدعوّ إلى اعتماد مقاربة واقعية ومنصفة، والتصدّي للمطالب غير المشروعة والسياسات المغامِرة والخطيرة التي تنتهجها الولايات المتحدة.
وأودّ أن أجدّد، مرة أخرى، تقدير حكومة وشعب إيران لمواقفكم القائمة على «السلام العادل»، وأن أؤكد أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع احتفاظها بحقها المشروع في الدفاع عن نفسها، ستبقى ملتزمة بصدق بالحوار وبحلّ المشكلات بالطرق السلمية، وفقاً للقانون والأخلاق.
مسعود بزشكيان
رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية