ایکنا

IQNA

الحق أصيل في طبيعة الكون

0:09 - May 30, 2026
رمز الخبر: 3504897

الحق أصيل في طبيعة الكونبقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه "السید بلال الوهبی"

قال الله تعالى: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" ﴿الأنبياء: 18﴾.

الحق نقيض الباطل، فأما الحق فهو ما يكون مطابقاً للواقع، وما يجب أن يكون، وهو من أسماء الله الحسنى لأنه سبحانه واجب الوجود، فالله هو الحق، وقد خلق الكون بالحق، وأرسل رسله بالحق، وأنزل رسالاته بالحق، كما ذكر في كتابه الكريم، فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود، بل هو أصل الوجود، والوجود قائم عليه، ولو فُرِض أن أريد له ألا يقوم عليه فلن يقوم أبدًا، فالحق يستمد عناصر وجوده من ذاته، فهو ثابت في جميع الأحوال، وموجود دائمًا، ولا زوال له ولا زهوق ولا اضمحلال.

فأما الباطل فهو العارض الطارئ المُنبَتُّ الذي لا أصل له، ولا يجوز أن يكون له سُلطان، ولا يمكنه أن يبقى ويدوم مهما طال مكوثه، فهو زَهوق بطبعه كما وصفه الله تعالى إذ قال: "إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا"[الإسراء: 81].

 أي مضمحلًا لا ثبات له في كل آن، وهذه حقيقة يقرِّرها الله بصيغة التوكيد، وإن بدا للوهلة الأولى أن للباطل صولة ودولة، لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمد تأثيره الموقوت من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية، فإذا تخلخلت تلك العوامل، وضعفت هذه الأسناد تهاوى واضمحَل. 

نعم إن الباطل ينتفخ وينفش ويتبختر ويوهم الناس أنه حقيقة، لكنه يبقى وهمًا لا يصمد أمام الحق، ومن ثم يحاول أن يموِّه على العين، وأن يبدو عظيمًا راسِخًا، ولكنه هَشٌ سريع الزهوق، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليًا ثم تخبو سريعًا وتستحيل إلى رماد. 

وقد مثَّل الله للحق والباطل بمثلٍ بليغ جدًا حيث قال: *أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴿الرعد: 17﴾ ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطل زبدٌ يطفو ويعلو وينتفخ، ويبدو رابيًا طافيًا ولكنه في الحقيقة زبد أو خَبَث، ما يلبث أن يذهب جُفاءً مطروحًا لا حقيقة له ولا تماسُك فيه، فأما الحق فيظل هادئًا ساكنًا، وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح، ينفع الناس.‏

والحق والباطل في صراع دائم متواصل، منذ أن هبط آدم إلى الأرض إلى أن تنتهي الحياة البشرية في الأرض، والأيام تُتَداوَل بينهما، للحق جولة وللباطل جولة، تبعًا للظروف المحيطة بهذا وذاك، وإمكانات كل منهما، لكن الجولة الأخيرة في كل صراع هي للحق قطعًا، فالحق كما قلنا أصيل، والباطل طارئ على الحياة دخيل، والله الحق يقذف بالحق على الباطل، يرميه بقوة وشِدَّة، كأنما هو قذيفة تدمِّره وتزهقه.

تلك هي السُّنَّة الإلهية الجارية، الباطل زهوق، لا بقاء له، ومدموغ مضمحل، ولا بقاء لشيء يدمِّره الله، ولا حياة لشيء تدمغه يد الله، إذا اختال الباطل في جولة فليس يعني ذلك أنه مَلَك الواقع وسيطر على الأمور، وإذا انتفش يومًا معتزًا بما يملك من قدرات وإمكانيات فليس يعني أنه قد ضمن لنفسه البقاء والاستمرار، إن الناس قد يُخَيَّل إليهم أحيانًا أن الواقع المشهود يخالف هذه الحقيقة التي يقرِّرها الله العليم الخبير، يقولون: انظروا إلى أعداء الله وما يملكون من قوة ضخمة، وانظروا إلى الشيطان الأكبر وربيبته في المنطقة يصولان ويجولان يُسقطان أنظمة، ويحتَلّان دولًا ولا أحد يقف لهم، وغالبًا ما حملت هذه القناعة أنظمة وجماعات وأشخاصًا على الخنوع والذِّلَّة لتلكما القوتين الطاغيتين، والتسليم لإرادتهما، أو المراهنة عليهما، والانخراط في مشروعهما.

لكن الواقع أزهق هذه القناعة الباطلة، وكشف زيفها، فها هم الأحرار الأبرار من أبناء هذه الأمة يُرغِمون أنف الشيطان وربيبته، وينزلون بهما ضربات قاسية قاصمة، ويصدون هجمتهما الشرسة، ويمنعانهما من تحقيق أي من أهدافهما، مما يؤكِّد أن الباطل قد يكون قويًا لفترة من الزمن، يمد الله فيها ما يشاء للفتنة والابتلاء، ثم يُجري سنَّته فيه، ولعل قوة الباطل تنشأ في كثير من الأحيان من ضعف أهل الحق، ومن عدم قيامهم بواجبهم في الدفاع عن حقهم، ومن غفلتهم عن عوامل القوة التي يملكونها، أو من تثاقلهم عن الإعداد والاستعداد بما يقدرون عليه.   

المؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه، فإذا ابتلاهم الله بغَلَبة الباطل حينًا من الدهر عرفوا أنها الفتنة، وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسُّوا أن ربهم يربيهم، لأن فيهم ضَعفًا أو نقصًا، و هو يريد أن يُعِدَّهم لاستقبال الحق المنتصر، وكلما سارعوا إلى العلاج قَصَّر الله عليهم فترة الابتلاء، وحقق على أيديهم ما يشاء.

captcha