
وأوضح
إمام جمعة بغداد أن نقده للواقع السياسي لا ينطلق من الرغبة في الانتقاد المجرد، بل من الحرص على معالجة الأخطاء البنيوية والأساسية التي تؤثر في مستقبل الدولة، مشيراً إلى أن الأخطاء الجزئية موجودة في كل المجتمعات والأنظمة، إلا أن الخطر يكمن في الأخطاء الكلية المرتبطة بمنهج إدارة الدولة ورؤية القائمين عليها.
وأضاف
آية الله السید ياسين الموسوي أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية يتحرك وفق رؤى ضيقة ترتبط بالمصالح الحزبية أو الشخصية أو العائلية، الأمر الذي يؤدي إلى اتخاذ قرارات بعيدة عن المصالح العامة.
واعتبر أن ضيق الأفق السياسي وعدم فهم احتياجات المجتمع يمثلان أحد أبرز أسباب الأزمات المتراكمة في البلاد، داعياً المسؤولين إلى إعادة بناء علاقتهم مع الشعب والانطلاق من همومه الحقيقية.
وفي سياق حديثه عن نماذج القيادة الناجحة، استعرض السيد الموسوي تجربة الإمام الراحل السيد روح الله الخميني(رض)، مبيناً أن نجاح الثورة الإسلامية في إيران واستمرارها لم يكن أمراً عفوياً، بل جاء نتيجة فهم عميق لطبيعة المجتمع الإيراني ومتطلباته. وأشار إلى ما نُقل عن الإمام الخميني من أن سر نجاحه مقارنة بتجارب سابقة يعود إلى معرفته الدقيقة بالشعب الإيراني وقدرته على مخاطبة تطلعاته وقيمه.
وأوضح إمام جمعة بغداد أن القيادات التي قادت الثورة الإسلامية ركزت على بناء الذات وتزكية النفس والجهاد الأكبر، مستلهمة تعاليم القرآن الكريم وخطب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، الأمر الذي جعلها أكثر قدرة على مقاومة إغراءات السلطة والمال. وأضاف أن هذا النهج أسهم في بقاء القادة قريبين من الناس، يشاركونهم ظروفهم المعيشية وأفراحهم وأحزانهم، وهو ما عزز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، ولذلك اليوم تراهم منذ 90 يوماً في الشارع ينادون بالثأر للسيد الخامنئي الشهيد.
وفي المقابل، رأى السيد الموسوي أن التجربة العراقية بعد عام 2003 شهدت تراجعاً تدريجياً في مستوى الثقة الشعبية بالطبقة السياسية، بعدما كانت الجماهير تتطلع إلى مشاركة شخصيات قريبة منها في إدارة الدولة. وأكد أن اتساع الفجوة بين المسؤولين والمواطنين يعود إلى الانشغال بالمظاهر والامتيازات والابتعاد عن معاناة الناس اليومية، محذراً من أن كثرة الحمايات والمواكب والقصور لا تعني قوةً أو مكانةً حقيقية، بل تزيد من المسافة النفسية والاجتماعية بين الحاكم والمحكوم.
ودعا المسؤولين إلى مجاهدة النفس والابتعاد عن مظاهر الترف والثراء المفاجئ، مشيراً إلى أن كثيراً من الشخصيات التي وصلت إلى السلطة كانت تعيش أوضاعاً بسيطة قبل ذلك، إلا أن السلطة والثروة غيرت أسلوب حياتها. وشدد على أن الحفاظ على دعم الشعب يتطلب التواضع والالتصاق بقضاياه وعدم التعامل مع الدولة وكأنها مشروع تجاري أو سوق للمصالح.
وفي الشأن الخدمي، انتقد السيد الموسوي استمرار أزمة الكهرباء في العراق رغم الإنفاق الضخم الذي أُعلن عنه خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى تصريحات رسمية تحدثت عن صرف عشرات المليارات من الدولارات على هذا القطاع دون الوصول إلى حلول جذرية. ولفت إلى أن المواطنين ما زالوا يعانون من الانقطاعات المتكررة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة، مؤكداً أن الواجب يقتضي الانتقال من مرحلة الوعود والتصريحات إلى مرحلة المعالجات الواقعية.
كما دعا الحكومة إلى معالجة الملفات المعيشية الأخرى، وفي مقدمتها البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الصحية، محذراً من أن استمرار هذه المشكلات يفاقم معاناة المواطنين ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تناول السيد الموسوي السياسات الأمريكية في المنطقة، معتبراً أن المواقف التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران كشفت، عن تناقضات كبيرة بين الخطاب السياسي والواقع العملي. ورأى أن واشنطن اضطرت في مراحل معينة إلى القبول بشروط التفاوض مع إيران، إلا أن الضغوط الإسرائيلية دفعتها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً.
وأشار إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ولا سيما في الجنوب والبقاع، وما يرافقها من عمليات قتل وتهجير واستهداف للمدنيين، معتبراً أن هذه السياسات تهدف إلى إحداث تغييرات ديموغرافية وإبعاد أبناء المناطق المستهدفة عن أرضهم، مؤكداً أن الشعوب المقاومة لن تقبل بالخضوع أو الاستسلام.
وتطرق آية الله الموسوي إلى التطورات المتعلقة بمضيق هرمز والعلاقات الإيرانية العُمانية، مشيراً إلى الضغوط والتهديدات الأمريكية الموجهة إلى سلطنة عُمان بسبب تقاربها مع إيران، معتبراً أن ذلك يعكس طبيعة السياسة الأمريكية القائمة على فرض الإرادة بالقوة والضغط الاقتصادي والسياسي على دول المنطقة.
وأكد أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى دول الشرق الأوسط كشركاء متكافئين، بل تسعى إلى تكريس حالة من التبعية السياسية والاقتصادية. وأضاف أن ما وصفه بصمود إيران أسهم في إيجاد هامش أوسع من الاستقلالية لدى عدد من دول المنطقة، ومنها بعض الدول الخليجية التي بدأت تنتهج سياسات أكثر استقلالاً في علاقاتها الإقليمية.
وفي ختام حديثه، دعا آية الله السيد ياسين الموسوي القوى السياسية والشعب العراقي إلى التمسك بمبادئ السيادة والكرامة الوطنية، مؤكداً أن العراق لا يمكن أن يجمع بين إرادة الاستقلال وإرادة التبعية في آن واحد. وشدد على أن بناء دولة قوية وعادلة يتطلب قراراً وطنياً مستقلاً، وانحيازاً حقيقياً لمصالح الشعب، واستعداداً لتحمل مسؤولية المستقبل بعيداً عن الضغوط الخارجية، مستذكراً الروايات التي تتحدث عن الدور المحوري للعراق وأهله في مشروع الإصلاح والعدل الإلهي المنتظر.