ایکنا

IQNA

الدولة المستقيلة والتفاوض الموهوم

14:25 - June 13, 2026
رمز الخبر: 3505089

بقلم أ.د.فرح موسى؛ رئيس المركز الإسلامي للدراسات القرآنية في لبنان

منذ إتفاقية وقف إطلاق النار في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤م، ونحن نسمع مطالبات بحصرية السلاح، ومباشرة الإعمار، ومساعدة المتضررين من العدوان الإسرائيلي في كل لبنان! وهذا ما نراه يتكرّر ونسمعه يوميًا على وقع اعتداءات يومية للعدو في كل لبنان!

فالمقاومة تريد للبنان أن يكون قوياً، دولةً، وشعباً، وتشترط لتنمية لبنان شروطًا لا بد منها لتحقيق هذه التنمية، ومنها وقف العدوان، وانسحاب العدو،والإفراج عن الأسرى،وإعادة الإعمار،بل نراها توّجه سؤالًا للدولة عن جدوى التفاوض في ظل انعدام موازين القوى؟ وتجيب الدولة بأسئلة أخرى بوحي من شروط خارجية، وضغوط دولية تتعلق بالسلاح ودور المقاومة، على قاعدة أن كلفتها أصبحت كبيرة على الوطن كله، وهذا ما يستدعي، بنظر أصحاب السيادة، تحولًا في الوعي والرؤية والهدف!؟

لقد سبق للإمام الصدر أن أبدى قلقه على لبنان، محذرًا من احتضاره في أجواء الطائفية السلبية التي تمنع من حياة المجتمع المدني وتفاعله، ويكفينا تدبّرًا في ما قاله الإمام موسى الصدر عن ما تعنيه الوطنية، سواء في أوقات السلام والرخاء أو في اللحظات الحرجة، يقول الإمام الصدر في مؤتمر صحفي عقده في الحازمية في ١٩_١١- ١٩٦٩م :"علينا بتقوية الاتجاه الوطني الواحد بالمشاركة الحقيقية التي هي الميثاق الحقيقي،وهي المواطنية الصادقة …فلنتحمّل الأعباء،ونتشارك في المحنة،لكي يشعر أبناء منطقة الجنوب أنهم مواطنون في الساعات الحرجة على الأقل…".إنها الكلمة الفصل في الإجابة على أسئلة الحاضر والمستقبل.

كلمات من عمق التاريخ، توّصف لنا معنى أن يكون الإمام الصدر قلقًا على لبنان في ظل ما يراد له أن يكون عليه من ضعف في دولته وشعبه! فالإمام موسى الصدر لم يتوقف في خطابه عند أفراد الناس، وإنما هو يخاطب الأمة والشعب اللبناني الذي يفترض فيه أن يكون على وحدة في الموقف والهدف في مواجهة الأخطار التي تواجه لبنان وتهدّد مصيره،ويأتي في طليعتها الخطر الصهيوني.

إن ما نعايشه اليوم من انقسامات في واقع المجتمع اللبناني بين مَن يرى خطر هذا العدو، ومَن لا يراه أو يتجاهله، أو يتفاوض معه بشروطه! هو الذي كان يراه الإمام الصدر في الستينات من القرن الماضي، ورأى فيه انقسامًا خطرًا على المجتمع اللبناني بكل طوائفه ومذاهبه وأحزابه! 

فإذا كانت الأسئلة اليوم تطرح حول قوة الدولة، وقوة المقاومة، وصمود الشعب، وحصرية السلاح،وضرورة البدء بالإعمار، فعلى كل مواطن بريء وشريف عدم تجاوز التحولات التاريخية وما كانت عليه الدولة اللبنانية من ترهلاتٍ وتقلباتٍ في تاريخها،وكذلك ما كانت عليه طوائف ومذاهب وأحزاب المجتمع اللبناني ،لجهة ما تقلّبت فيه من نعم الدولة!

حتى أن المقاومة نفسها لم تكن بعيدة عن هذه التحولات، إذ هي ضمنت عوامل القوة والمواجهة للعدو إلا أنها لم تسعف نفسها في إزالة القلق الوجودي في ما كان ينبغي عليها أن تؤديه من دور وطني لبناء الدولة! فالكل اليوم يسأل، ولكن لا أحد يجيب عن سؤال بقاء الدولة ووجودها وقوة حضورها!

ولعل السؤال الأبرز الذي يمكن طرحه في سياق رؤية الإمام الصدر للقلق على لبنان، هو ماذا فعلت الطوائف والمذاهب والأحزاب لبناء الدولة القوية والعادلة؟ ألم يكن هم أقزام الطائفية والمذهبية الاستثمار في الدولة لإضعافها؟ فهم جميعًا كانوا يتنقّلون بين مارونية سياسية،وسنية سياسية،وشيعية سياسية، ما أدى في النهاية إلى أن تكون الدولة مزرعةً توزّع مناصبها ومكاسبها على أفراد الناس،وليس على شعب،أو أمة!وهذا ما أدى بالنتيجة إلى إفساد الواقع اللبناني،وتقوية العدو الخارجي!ولسنا نبالغ إطلاقًا في ذلك, طالما أن الجميع قد ألف الوصاية الخارجية،وتسلّح بها لقهر الآخرين!

فإذا كانت المقاومة تسأل عن جدوى تفاوض السلطة مع العدو ألا يفترض مسبقًا السؤال عن ما بقي من هذه الدولة الوطنية في ظل ما أفسدته الأحزاب اللبنانية من مؤسسات،وتقلّدته الطوائف من امتيازات!؟إن الدولة الضعيفة التائهة أمام الضغوط والشروط لا تقوى على المواجهة وقوة البناء،تمامًا مثلما لم تقوَ على المقاومة،وكما تقول الحكمة:"إذا أردت أن تطاع،فاطلب المستطاع".

إن ما تعرّضت له هذه الدولة من انهيارات اقتصادية،وترهلات اجتماعية وسياسية،آل بها إلى أن تكون على وضعية لا تسمح لها بقوة الموقف أو مواجهة الخارج، فإذا كان المطلوب، هو نهضة الدولة وقوتها في اتخاذ ما يلزم من قرارات،فعلى مَن يطلب منها ذلك ،أن يسأل نفسه عن أسباب ضعف هذه الدولة بعدما بلغ بها التناتش الحزبي والطائفي حدًا يفوق الخيال،ويُعجز كل سؤال!؟

فالدولة كانت حتى الأمس رهينة الفساد باسم الطائفية والحزبية، والمذهبية،وأسيرة التجاذبات العربية والدولية،ليكون لها تأييد من هنا أو هناك! فحريٌ بهذه الدولة أن لا تجيب على أسئلة المقاومة بخصوص الأسرى والإعمار ووقف العدوان على لبنان!

فليس من عجب أبدًا أن لا نرى  أفقًا لمعنى السيادة على مستوى الدولة والمجتمع،لأن الدولة التي تراهن على ضعفها لوقف العدوان ولا يُسمع لها، وتمعن في الاستثمار في الضعف، فهي كذلك غير مسموعة في أي شأن من شؤونها الوطنية والإنسانية!،وذلك إنما نذهب إليه من منطلق أن مَن أمات الدولة وسعى في خرابها،ليس له أن يراهن على حياتها في لحظة توجيه السؤال لها.!

فالإعمار حق،وقوة المقاومة حق، ولكننا نبقى بحاجة إلى مراجعة مسؤولة ممن تسبب أو حال دون وصول الدولة إلى مستوى أن تكون راعية وحامية لمواصفات أمة أو شعب تليق به كرامة وطن،وحرية فعل،أو ترك في ما يختاره لنفسه من قوة حضور ووجود، فليكن القلق على لبنان دائمًا ومستمرًا، طالما أن المسؤولين في مزارع الطوائف والمذاهب قد اختاروا ضعف لبنان،دولةً،وشعبًا،ولم يجيبوا على أسئلة عظماء التاريخ والأمم أمثال الإمام الصدر وكل أحرار الأمة.

لقد حولتم المقاومة إلى جريمة!، والوطن إلى رؤية فردية لهذا الحاكم، أو ذاك! ثم تسألون عن الدولة ، وعن ما يمكن أن تنجزه دولة الطوائف !؟فماذا عساها تفعل هذه الدولة ،وقد كنتم للتو دعاة مجدها،وسر وجودها وقيامتها!؟فلنهوّن الخطب أمام مأساة لبنان والقلق عليه .إن ما رآه الإمام الصدر، هو هذا الوطن المنقسم على ذاته،والمتجلبب بالطائفية منذ لحظة وجوده ، والمأخوذ بسطوة القهر في كل شأن من شؤونه .!؟
captcha