ایکنا

IQNA

إيران الإسلامية وإشكالية العمل الثوري في واقع التحولات الاستراتيجية

21:46 - June 14, 2026
رمز الخبر: 3505108

بقلم أ.د. فرح موسى:رئيس المركز الإسلامي للدراسات القرآنية في لبنان

يتساءل كثيرون من الخبراء في السياسة والشؤون الاستراتيجية عن جدوى ما اختارته إيران من سلوك وسياسات في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني،ويرى هؤلاء أن الفعلية السياسة لإيران قد تجاوزت حدود القلق الاستراتيجي على الحلفاء والمصالح معًا! وبعضهم وصل به التشكيك إلى حد الاتهام لإيران في خياراتها الاستراتيجية؛ زاعمًا ومتسائلاً عن معنى وجدوى قبول إيران لهزيمة التفاوض من  دون أن تكون لها ضرباتها الموجعة للحدّ من خسائرها في الشرق الأوسط!؟

وانطلاقًا من ذلك،نرى أنه يمكن لأي متابع أو مراقب في جو من  الموضوعية السياسية أن يُجيب على ذلك وفق خبرته ودراسته للواقع الإيراني في ضوء المبادىء والثوابت التي تنطلق منها إيران،سواء في المواجهة أو في المفاوضة،ذلك أن إيران في جوهر وجودها، هي دولة دفاعية في أشد لحظاتها الثورية، وقد اختارت التفاوض  بوعي من عمقها المعرفي الذي يمتد بها تاريخًا، وخبرةً،وحضارةً، وسياسةً،تسقط أمامه كل مفاخر التاريخ والحضارات!

فكيف لمتمرسٍ بسيط في الخبرة والسياسة أن يجيب على تساؤلات وجدوى الفعلية السياسية لإيران في مواجهة الأعداء!؟ فهذه الدولة بما هي تجلٍ حضاري وثوري، ليس في مخيّلتها السياسية شن الحروب الشاملة على أعدائها، بل هي ترد على العدوان بقدره، وبلحاظ ما لها من وسعِ دفاعي .

فإيران تتعامل مع كل عدوان وفق رؤية شاملة في الاستراتيجية، وتأخذ العدوانية بقدرها،كما أنها لا تنفعل أمام التهديدات الخارجية طالما أن هذه التهديدات لم ترق إلى الخطر الفعلي، ولم تتحول إلى عدوانية ملحوظة في بعدها العسكري.

فكل ما تريده إيران هو دعم الحقوق المشروعة لمحور المقاومة ،وتحمّل مسؤولية هذا الدعم في المحافل الدولية.أما أن تكون إيران بصدد إعلان الحروب أو افتعال الأزمات لتكون إزاء حرب مباشرة، فهذا مما لا تريده إيران، ولا تسعى إليه،كما بيّن قائد الثورة أن إيران لا ترسل الجيوش،ولا تعلن الحروب لحماية نفوذها،وحينما تقتضي مصالحها الدفاع أو القتال، فهي تعرف كيف تدافع عن نفسها، ومتى تتدخل لتفويت فرص الأعداء.

فإيران تتقن جيدًا فنون الحرب والسلام، وهي تستند إلى مبادىء الإسلام في مواجهة الأعداء.والإسلام،كما يعرف خبراء السياسة وعلماء الدين،يدعو إلى عدم معاجلة الأعداء بالحرب،لقول الإمام علي(ع): "لا تبدأوهم قبل أن يبدأوكم،فإذا بدأوكم  أصبح لكم عليهم حجتان،حجة أنهم على باطل،وحجة أنهم اعتدوا" وكما قال الله تعالى:"فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين.".

وهكذا، فإن منطق إيران إزاء ما يتعرّض له الإقليم من عدوانية استعمارية، هو اغتنام كل فرص السلام، والعمل بحكمة الوعي والبصيرة الحضارية لجعل العدو يخسر فورة غضبه،وطغيان قوته،سواء في حالة الحرب،أو في حالة السلام،على قاعدة أن أفضل وسيلة لكسب الحرب،هي كسبها من دون حرب في إطار وعي شامل لقضايا المنطقة ومصالحها.

وهذا ما تكشف عنه واقعية السياسة الإيرانية من حيث إنها ترى في كل تهديد استراتيجي فرصةً للمفاوضة وتبادل المصالح في حدود ما تقتضيه الواقعية السياسية،والحرص على مبدئية السلام في العلاقات الدولية،كما هو مفاد قوله تعالى للأنبياء موسى وهارون(ع):"اذهبا إلى فرعون إنه طغى،فقولا له قولًا لينًا لعلَّه يتذكّر أو يخشى.."،فإذا كان العدو لا رغبة لديه لإعلان الحرب، ويريد مشاغلة نفسه بعوامل قوته، وفرط طغيانه،ويعطي لنفسه فرصة التهديد الصاخبة على مسارح السياسة العالمية كما يفعل الطغيان الأمريكي في التعامل معها! فمن الخطأ الأخذ به إلى آتون ناره،أو معاجلته في الحرب لإحراجه،وتفويت فرصة السلام معه،كما يحصل في المفاوضة اليوم في "إسلام آباد".

فالمعجزة لا تكون بمعاجلة الحرب، والإبقاء عليها، وإنما هي في اجتراح الحلول لتحقيق السلام، وتفويت الفرص على الأعداء بما يحفظ الحقوق، كما قال الله تعالى:"والصلح خيرٌ"،بكل ما يعنيه ذلك من إطلاق وإحكام في العلاقات الدولية.

فإيران منذ انتصار ثورتها اختارت الواقعية السياسية إسوةً بسائر الدول ذات البعد الدولي والعالمي، وهي تنظر إلى مداهنات الدول الكبرى المتحالفة معها، وخصوصًا الصين وروسيا فتراهما تتفاعلان مع أمريكا وفق المصالح الاستراتيجية، ويبذلان كامل الجهد للحفاظ على خطوط التواصل بما يخدم هذه المصالح رغم وجود حالات من العداء والخوف المتبادل بين هذه الدول؛ ولكنها مضطرة لممارسة أقصى ما يمكن من الحكمة ،لتلافي الأزمات الحادة،للحيلولة دون تهديد السلام العالمي،لأن هذه الدول إن تناقضت إلى حد الجنون،فلن يكون لها الأمن والاستقرار لممارسة دورها،واستكمال مراحل نمائها.فإيران ليست آتية من خارج هذا النسق في الواقعية السياسية،وترى أنها قادرة على إحكام الدور الحضاري والديني والسياسي بما يحقق الأهداف،وينصر الحلفاء،فلماذا يراد لها أن تكون، بخبث السياسة الدولية،متنفسًا لجذب الحروب إلى ساحتها،وهي التي تجاوزت كل قطوعات التآمر الدولي في الحرب والسلم منذ نشأتها واختيارها لاستقلالية أطروحتها في الدين والدولة معًا!؟

قد نجحت إيران طيلة عقود من الزمن في اختيار ما يلائم أطروحتها، وقدّمت أنموذجها الفريد في بناء العلاقات الدولية، ما جعل العالم كله يفكر في طريقة الارتقاء إلى مستوى حكمتها، ووعي صلابة موقفها،وهي تعي تمامًا معنى أن يكون الفناء العالمي رهن الاعتداء عليها،فهي لا تساوم على القضايا المحقة للشعوب المظلومة،وتقدّم نفسها للعالم على أنها أطروحة حياة ومعنى ديني وحضاري في مقابل ما يشهده العالم من تشظي في الرؤي والمعارف والأهداف!

إنها دولة تحظى بموقعها الاستراتيجي، المؤثر على اقتصاديات العالم ،وليست مضطرةً ،لأن تساوم على حقوقها،ولا على حلفائها،وهي لا تزال على مواقفها في تثبيت مسحة الثورة على دولتها في الانتصار لقضايا الحق والعدالة.إن ما يزعمه بعض المتلبّدين في السياسة،من أن إيران تعيش حالةً من القلق الاستراتيجي ، والتراجع المبدئي، ليس له ما يسوّغه وفق الرؤية الدينية التي تبني عليها إيران في إدارة أزماتها،وتعزيز علاقاتها،لأن الإسلام دين واقعي،وهو متميّز بمرونته وسماحته،ويسوّغ منتهى الواقعية في مخاطبة الطواغيت بما يخفف من غلوائهم،ويطامن من كبريائهم،.

فإيران ليست قلقة استراتيجيًا،وإنما هي تستجيب لضرورات الواقع في ما يفرضه من تحديات وأزمات عالمية،.فإذا كانت إيران ترى لنفسها بعدية الأنموذج الحق،وتحمل أطروحة الإسلام العالمية،فإن ذلك يحتم عليها تجاوز الانفعال السياسي،واستيعاب التحولات وفقًا لرؤيتها،لكي تتمكن من تبديد هواجس الشعوب حول قدسية دورها ونصرتها لقضايا الحق والعدالة في مواجهة الطغيان العالمي.

وهذا ما نرى أنه يشكّل منعطفًا جوهريًا في السياسة الإيرانية،لجهة تعاملها مع الأحداث،وفرضها لشروط المفاوضة مع الأعداء،وطريقة استيعابها للمعطيات والتحديات.فإيران تحولت من كونها دولة تدعم الحلفاء،لتفرض شروطها في الدفاع عنهم، وهذا ما يعزّز من شأنية تحولاتها في الصراعات الدولية، ولم يكن ذلك ليتأتى لها لولا حمق أعدائها في العدوان عليها!
captcha