لطالما كان الاهتمام الخاص لقائد الثورة الإسلامية الشهيد بالقرآن الكريم والأنشطة القرآنية أحد أهم محاور السياسة الثقافية للبلاد على مدى العقود الأربعة الماضية. وقد أكد مراراً وتكراراً في لقاءاته مع القراء وحفظة القرآن والناشطين القرآنيين على ضرورة نشر ثقافة الأنس بالقرآن، ورفع مستوى التلاوة، وتنشئة جيل جديد من القراء، وتحويل المفاهيم القرآنية إلى أسلوب حياة.
ويعتقد العديد من الخبراء في مجال القرآن أن جزءاً مهماً من التطورات القرآنية في البلاد في مجالات التعليم، والتلاوة، والإعلام المتخصص، وتنظيم المحافل القرآنية، يعود الفضل فيه إلى الرؤية الاستراتيجية والدعم المستمر لقائد الثورة الشهيد.
وفي هذا السياق، وعقب استشهاد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، أجرت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) حواراً خاصاً مع الخبير والناشط القرآني الایراني والمدرس في القراءات "سيد محسن موسوي بلده" لمناقشة الأبعاد الأقل تناولاً في شخصيته القرآنية.
وأشار سيد محسن موسوي بلدة إلى المكانة الفريدة للقائد الشهيد للثورة الاسلامية في تاريخ إيران المعاصر، قائلاً: "أعتقد أن الشعب الإيراني، ولا سيما الشيعة، قد مرّت بفترةٍ تاريخيةٍ واستثنائيةٍ في هذه السنوات؛ فترة ربما لم يشهد لها مثيل في تاريخ بلادنا المعاصر. ففي بعض مراحل التاريخ، يختار الله تعالى شخصياتٍ لتؤدي أدواراً عظيمةً، وكان القائد الشهيد للثورة الاسلامية أحد هذه الشخصيات النادرة".
وأضاف: "إنّ ما ميّزه عن غيره من القادة السياسيين والدينيين في العالم الإسلامي، والذي لا يتكرر، هو أنه إلى جانب منصبه القيادي، كان يُعتبر أستاذاً وخبيراً في مجال تلاوة القرآن الكريم. قد لا يكون هذا الأمر واضحاً للكثيرين، لكن من كانوا في الفضاء القرآني المتخصص يدركون جيداً أن إحاطة قائد الثورة بمسائل القراءة والتلاوة كانت إحاطة عميقة ودقيقة ونادرة".
وأشار سيد محسن موسوي بلده إلى أن "قائد الثورة كان شخصية استثنائية بين العلماء ومسؤولي البلاد على حد سواء؛ لقد اهتم بمسألة التلاوة المقدسة من الناحية العلمية ومن ناحية الذوق والمعرفة الفنية. من النادر أن نجد شخصية تجمع بين منصب القائد الديني والسياسي للبلاد، وفي نفس الوقت لديها فهم وتخصص في فنون تلاوة القرآن."
وقال: "إذا كنت أتحدث اليوم عن المسائل الفنية والمتخصصة في التلاوة، فذلك لأنني قضيت عمري في هذا المسار. لقد كنت معلماً للقرآن لسنوات وحضرت المحافل القرآنية. لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة للقائد الشهيد للثورة. فعلى الرغم من مسؤولياته السياسية والاجتماعية والدولية الواسعة، كان لديه إحاطة بتفاصيل ودقائق التلاوة وكأنه قضى حياته كلها في تعليم وتدريس القرآن."
وأضاف المُدرّس الايراني للقرآن الكريم: "لقد شهدنا مراراً وتكراراً في جلسات القرآن الكريم أن سماحة الامام الخامنئي كان يطرح نقاطاً حول التلاوة كانت جديدة ومثيرة للدهشة حتى بالنسبة للقراء المحترفين والمعلمين ذوي الخبرة. إن دقة ملاحظاته في مجال اللحن، والوقف والابتداء، ونقل المفاهيم القرآنية من خلال التلاوة، وكذلك معرفته بالمدارس المختلفة للقراءات، كانت تدلّ على إتقان لا يتحقق إلا بفضل الله، والموهبة الفطرية، وسنوات من الممارسة."
وأشار إلى الدور الحاسم لقائد الثورة الشهيد في نمو التيار القرآني في البلاد، مؤكداً: "بعد انتصار الثورة الإسلامية الايرانية، كانت شتلة تلاوة القرآن الناشئة في إيران بحاجة إلى الدعم والرعاية. لقد تحرك المجتمع الشيعي الإيراني نحو التيار الاحترافي للتلاوة متأخراً عن العديد من الدول الإسلامية، لكن قائد الثورة الشهيد، بنظرته الخاصة، حوّل هذه الشتلة إلى شجرة قوية ومثمرة".
وتابع سيد محسن موسوي بلده: "أستطيع أن أقول بكل صراحة إنه لولا دعم القائد الشهيد للثورة الاسلامية الايرانية، لما تشكّلت العديد من البنى التحتية القرآنية في البلاد اليوم. أولئك الذين كانوا على اطلاع وثيق بالتطورات القرآنية بعد الثورة يدركون هذه الحقيقة جيدًا. العديد من النجاحات والإنجازات التي نراها اليوم في مجال تلاوة القرآن هي نتيجة لدعمه ومتابعته المستمرة".
الحفاظ على الهوية المتخصصة لوسائل الإعلام القرآنية
وأشار إلى دور سماحة الامام الخامنئي في تأسيس وتطوير وسائل الإعلام القرآنية المتخصصة قائلاً: "إذا كانت إذاعة القرآن تعمل اليوم كوسيلة إعلامية متخصصة في البلاد، وإذا كانت هناك قنوات وبرامج قرآنية متخصصة في التلفزيون الوطني، وإذا كان الفضاء الإعلامي في البلاد يولي هذا القدر من الاهتمام لموضوع القرآن، فإن جزءًا كبيرًا من ذلك يعود إلى رؤية ومطالب قائد الثورة الشهيد".
وأضاف: "من أهم النقاط التي أصرّ عليها قائد الثورة الحفاظ على الهوية المتخصصة لوسائل الإعلام القرآنية. فقد كان يؤمن بضرورة أن يتمكن الناس من سماع صوت القرآن وتلاوته كلما توجهوا إلى وسيلة إعلامية مثل إذاعة القرآن". وقد أدى هذا المنظور إلى اكتساب وسائل الإعلام القرآنية في البلاد هوية مميزة ومستقلة، وإلى لعب دور فعّال في تعزيز الثقافة القرآنية".
وأكد سيد محسن موسوي بلده أن القائد الشهيد للثورة الاسلامية قد أدّى واجبه التاريخي تجاه القرآن على أكمل وجه، قائلاً: "لقد ساهم في إحياء ثقافة تلاوة القرآن، بل وتجاوز التوقعات".
واختتم هذا الأستاذ في القرآن الكريم قائلاً: اليوم، نحن جميعًا مسؤولون عن الإرث القرآني لقائد الثورة الشهيد. إذا تضاءلت رسالته العظيمة والتاريخية حول أهمية تلاوة القرآن أو أُهملت، فعلينا جميعًا أن نتحمل المسؤولية. كان لدينا قائد سياسي وديني، وفي الوقت نفسه كان أحد أهم الداعمين والخبراء في مجال تلاوة القرآن؛ لذلك، من المسؤولين إلى الناشطين القرآنيين وعامة الناس، علينا جميعًا واجب مواصلة هذا المسار بقوة وعدم السماح بتعرض الإنجازات القرآنية في البلاد للضرر أو النسيان".