بقلم أ.د. فرح موسى؛ رئيس المركز الإسلامي للبحوث القرآنية في لبنان
لا شك في أن مَن لا يملك مفاتيح الحلول لأزماته، ويخاف من تعريف سيادة بلاده! تجده دائمًا يقع تحت هول الصدمات، كما هو حال المسؤول اللبناني، الذي اعتقد للوهلة الأولى، أن الحمل اللبناني الثقيل نتيجة الحرب، أصبح له وجه واحد فقط، هو التفاوض المباشر مع العدو! والاعتراف له بمكنة التحوّل على المستويات الميدانية والسياسية! ولهذا وجدنا المسؤول اللبناني يصعّد في وجه الإيراني، ويطالبه بعدم الاستثمار في الواقع اللبناني! ويكفي في السياسة أن يعلم هذا المسؤول، أن الأحداث والبناء عليها، سياسيًا، وعسكريًا، لا يكون له جدوى ما لم يحصل الاطمئنان إلى النتائج، التي يمكن أن تترتّب على هذه الأحداث.
لقد تسرّع المسؤول اللبناني كعادته في البناء على خوفه حتى جاءت مذكرة التفاهم الإيراني الأمريكي، لتعطي مؤشرات مختلفة حول جدوائية الصمود، وظهور عوامل القوة في مواجهة العدو! فالسياسة ليست مجرد هوامات تحيط بالمسؤول، وتجعله محبطًا لدرجة القبول بما يوهمه به الأعداء!، بل هي وعي بحقيقة عوامل القوة، سواء الذاتية، أو المحيطة بالواقع اللبناني.
إن الصدمة التي تلقاها المسؤول اللبناني على وقع انهياراته الذاتية! جعلته عاجزًا عن التنفس أمام التحول الشرق أوسطي، ودفعت به إلى أن يكون متلونًا في قبول النتائج والبناء عليها! فالعدو لم يعد مطلق اليدين، والتفاوض لم يعد مجرد اجتماع لفرض الشروط، وكذلك الميدان خرج عن كونه أداة ضغط، ليكون محورًا في الحرب الإقليمية! وهنا السؤال، كيف لهذا المسؤول،أن يستوعب جدوائية السياسة في ظل تشابك المصالح اللبنانية؟
ألم يحن لهذا المسؤول استيعاب حقيقة أن لبنان ليس مجرد مزرعة طائفية في أحداث الشرق الأوسط وتحولاته!؟ فإذا كان العدو قد راهن على وهن المفاوض اللبناني، فها هو اليوم ينتظر هذا المفاوض ليعطيه جرعة أمل في إيجاد الحلول المناسبة للتهرّب من مسؤولية الالتزام بمذكرة التفاهم الأمريكي الإيراني، بحيث تكون له فرصة الفوز بالعدوان والاحتلال على خلفية الفصل بين المسارات، فهل يعطي المفاوض اللبناني للعدو هذه الفرصة، أم يطالبه بالتمحور الإقليمي وفق نظرية الحلفاء، التي أرستها مفاوضات "إسلام آباد"؟
إن ما يخشي منه في التفاوض المقبل، هو التنكر لهذا التمحور الإقليمي، وإعطاء العدو بعدية التربّص بأي استجابة لبنانية منقوصة الوعي والدراسة معًا لما استقرت عليه المنطقة والعالم من تحولات سياسية وميدانية.
فالعدو يعلم، أن استمرار العدوانية على لبنان سيأتي الرد عليه من خارج الحدود، وهذا ما يفترض تحولاً في الرؤية السياسية، وفي مجريات التفاوض أيضًا، لأن الدول السبع الكبرى، وسائر دول العالم المعنية بالتفاهمات الجديدة، كلها تبني على أساس هذا التحول الجوهري في ما انبثقت عنه نتائج الحرب!
ويبقى على المفاوض اللبناني، أن يكون حذرًا في تظهير ذاته على نحو يمنعه من السقوط مجددًا في مصيدة الجزئية، والتعامل المنفلت من عقال التفاهم الدولي الجديد.فالعدو عازم على الخروج من هذا التفاهم الإيراني الأمريكي، ويريد للمفاوض اللبناني التناغم معه في استقلالية الموقف، لتكون للعدو إمكانية المناورة في التفلت من المكاسب اللبنانية المستحقة بموجب التفاهمات العالمية، فهل يستجيب المسؤول اللبناني لهذا المسعى في التفاوض مع العدو، أم أنه سيفاوض بلحاظ التحول الجديد في المنطقة والعالم؟
إن الإجابة على هذا السؤال تبقى رهن الوعي اللبناني بمعطيات السياسة والميدان معًا، وذلك بعد تحوّل الميدان عن كونه خصوصية لبنانية،، ليكون ذو بعد إقليمي ودولي. فإيران تنتظر من لبنان تفاوض القوة بشروط مختلفة، والعدو يراهن على استقلالية الموقف اللبناني في ما يختاره لنفسه من صيرورة موت، أو حياة!