بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه السيد بلال وهبی
العزَّة في مدرسة الحسين (ع) ليست مجرد صفة أخلاقية يتصف بها الإنسان، ولا هي حالة نفسية عابرة يعيشها المرء في لحظة معينة، بل هي ركن أصيل في شخصية الإنسان، والمؤمن على وجه الخصوص، وبها تقاسُ كرامته، ويُعرَف موقفُه من الحق والباطل، ومن دونها يفقد إنسانيته، لأنه يصبح مستعدًا أن يتنازل عن كرامته من أجل مصلحة عابرة زائلة، وعن مبادئه من أجل أن يرضى عنه هذا أو ذاك، مِمّن هو أقوى منه، وأكثر قدرة، ويصبح سهل الانقياد للآخرين، فيستغلونه ويجعلون منه أداة يفعلون بها ما يشاؤون.
ولذلك كانت العزة من أهم القيم التي نادى بها الإسلام، وجعلها جزءًا أساسيًا من هوية المؤمن، فالمؤمن لا يجوز له بحال من الأحوال أن يعيش منكسرًا ضعيفًا مُهانًا، ولا يجوز له أن يقبل بالعبودية لغير الله تعالى، فقد رُوِيَ عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، أَ لَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾، فَالْمُؤْمِنُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَزِيزاً وَلَا يَكُونَ ذَلِيلًا، يُعِزُّهُ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ وَ الْإِسْلَامِ".
فليس للمؤمن أن يُذِلَ نفسه بفعل أو قول أو حالٍ أو خيار، لأنه مؤتَمَن من الله على كرامته، ولهذا قال الإمام الحسين (ع) كما سيأتي بعد قليل: "هَيْهَاتَ مِنّا الذِّلَّة" أي بعيد أن تكون مِنّا ذلة، فمثلنا لا يكون ذليلًا أبدًا.
والعِزَّة هي المِنعة، والقوة، والصلابة النفسية، التي تمنع الإنسان من الخضوع للباطل والانكسار للظلم وقبول المهانة، وهي من منظور القرآن الكريم مودَعة في فطرة الإنسان يمكنه أن يقويها أو يُضعفها، لكنّ المؤمن لا يجوز له أن يختار لنفسه الذل، وإن عرض له ضعفٌ خارج عن إرادته، لأنها جزء من إيمانه بالله تعالى، فإن العزة لله جميعًا، فمن آمن به ووالاه وأطاعه نال نصيبه من عزَّته، وكلما خضع لله أكثر صار أعزَّ وأقوى وأصلب.
وقد تجلَّت العِزِّة بأصدق صورها في نهضة الإمام الحسين (ع)، في مواقفه وفي أفعاله وخياراته، وهكذا الحال عند أصحابه وأهل بيته، الذين رسموا لنا أجمل صور العزَّة والإباء والأنَفَة، ولا عجَب في ذلك فإن نهضة الحسين (ع) في جوهرها نهضة العزَّة ورفض المهانة والذِّلَّة، وهذا ما صرَّح به (ع) عندما قال: "أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ بْنَ الدَّعِيِّ ـ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ ـ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ، بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ، وَحُجُورٌ طَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ".
العزَّة في مدرسة الحسين (ع) تعني ألّا يساوم على مبادئه ولو اشتدَّ الخطر، وألّا يتنازل عن قناعاته الحَقّة مهما كانت المغريات، وألّا يعترف بشرعية الظالم ولو كان قويًا، وأن يختار الموت بإرادته إذا خُيِّرَ بين القتل أو الذِّلة والانتقاص من كرامته ودينه.
العزَّة في مدرسة الحسين (ع) لم تكن شعارًا يُرفَع بل نهجًا وسلوكًا، فحين رفض البيعة ليزيد، كان (ع) واضحًا وصريحًا لا يناور ولا يوارب في مواقفه، يعلن أن الشرعية لا تُمنح للفجور والفساد والظلم، والعزة الحقيقية ليست إلا ذلك، وفي كربلاء حين انفضّ الناس عنه وتركوه وحيدًا فريدًا بقي ثابتًا لا يتزعزع، ومضى في خياره حتى لقيَ الله شهيدًا، وحين قدّم أهل أعزَّ أهل بيته وأخوته وأصحابه، كان ذلك اختيارًا واعيًا صدر عن يقين كامل، أن سلامة الدين تقتضي أن يستشهدوا جميعًا، وأن المشروع الإلهي يحتاج إلى من يفديه بحياته.
ولهذا أضحى الحسين (ع) مثلًا أعلى للمؤمن العزيز الذي يأبى الذِّلَّة والهوان، فمن أراد أن يعرف معنى العزة، فلينظر إلى الحسين، ومن أراد أن يفهم معنى الذِّلَّة، فلينظر إلى من اختاروا السكوت عن الحق طلبًا للسلامة.