بقلم الکاتب والمحلل السیاسي اليمني "طوفان الجنيد"
"بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أما بعد،
حين تضيق القراءات التاريخية التقليدية بالحدث، وتكتفي بجرد الأرقام، وسرد المآسي، وتفاصيل الواقعة العسكرية التي شهدتها أرض كربلاء في العاشر من محرم عام 61هـ، تبرز الحاجة الملحّة إلى مغادرة القشور نحو اللُّباب، والعبور من ضيق الحدث إلى سعة المفهوم.
إن معركة الطف، في جوهرها وأبعادها العميقة، ليست واقعة تاريخية جرت في بقعة جغرافية محددة وانطوت مفاعيلها، بل هي بنية فلسفية متكاملة، وثورة وجودية كبرى، أعادت صياغة مفاهيم الحرية، والعدالة، والسيادة، في وعي الذات الإنسانية.
أولاً: فيزيولوجيا الصراع؛ صراع المناهج لا صراع الأشخاص
يتجلى أول الأبعاد الفلسفية لمعركة الطف في تفكيك ماهية الصراع. فلم يكن الخلاف في كربلاء صراعاً على دكّة حكم أو نفوذ سياسي ضيق، بل كان تصادماً حتمياً بين رؤيتين كونيتين لإدارة الإنسان والأمة:
1- منهج الكرامة والسيادة الرسالية:
وهو المنهج الذي جسّده أبو عبد الله الإمام الحسين، سلام الله عليه، حيث نظر إلى الأمة بوصفها كياناً حراً، مستقلاً، يمتلك أهليته وسيادته على قراره ومقدراته. فالسلطة، في هذا المنهج، وسيلة لإحقاق الحق، وصون المال العام، وحفظ كرامة الإنسان.
2- منهج الاستبداد واستلاب الوعي:
ويمثله الخط الأموي، وهو منهج يتعامل مع الأمة كـ«قطيع» يُساق بالترهيب والترغيب، وتُدجَّن فيه الشعوب للحاكم المستبد عبر آليات الحرب الناعمة، وشراء الذمم، وإغراء النفوس بالأموال، وتزييف الوعي الجمعي لضمان التبعية المطلقة.
ومن هنا يتضح العمق الفلسفي للقاعدة الحسينية الخالدة: «ومثلي لا يبايع مثله»؛ فهي ليست موقفاً شخصياً بين الحسين(ع) ويزيد، بل إعلان قطيعة وجودية بين منهج الحق ومنهج الباطل، وقاعدة عابرة للأزمان، تؤكد أن مبادئ الحرية والسيادة لا تقبل المساومة ولا أنصاف الحلول في أي عصر.
ثانياً: عقلنة الثورة صدمة الوعي وتحطيم «الموت السريري»
من يتأمل أحداث المعركة، ويتفكر في حجم المظلومية وفداحة الإجرام والطغيان، تتولد لديه عاطفة وجدانية صادقة، وتذرف الدموع تلقائياً. وهذه العاطفة، وهذه الدموع الساكبة على شهداء الطف، وقودٌ وجدانيٌّ ضروري لحفظ حرارة القضية عبر الأجيال.
غير أن الفلسفة الحسينية ترفض أن تتحول العاطفة إلى مخدّر، أو إلى بكاء استسلامي معطّل للعقل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما قيمة الدمعة إذا اغرورقت بها العيون، وانغلقت دونها العقول؟
لقد وصلت الأمة قبيل كربلاء إلى حالة من الموت السريري، والقبول بالهوان تحت وطأة الخوف والإغراء، فجاءت الدماء الزكية في الطف بمثابة صدمة وجودية عنيفة، أعادت للأمة إرادتها المسلوبة.
فالدمعة الحقيقية، في المنهج الحسيني، هي التي تتحول إلى وعي وموقف؛ والبكاء على العدالة المنتهكة في كربلاء يجب أن يترجم إلى رفضٍ قاطع لكل أشكال الفساد، والجهل، والتبعية في واقعنا المعاش، وفي كل زمان.
ولذلك لم يخرج الإمام الحسين، سلام الله عليه، طالباً للموت، بل خرج طالباً للحياة الحرة الكريمة، التي اختصرها بقوله الخالد: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً.»
ثالثاً: الثابت الاستراتيجي ومعركة الإعلام التصحيحي
في البعد الاستراتيجي، يرتفع شعار: «هيهات منا الذلة»؛ ليكون عقيدة سياسية ثابتة، ومحدداً تفاوضياً صارماً، يرفض كل أشكال الإملاءات الخارجية والمساومات المهينة التي تستهدف سلب الشعوب سيادتها وكرامتها الوطنية.
ولم تنتهِ معركة الطف بانتهاء المواجهة العسكرية وسقوط الأجساد الطاهرة شهداء، بل بدأت بعدها معركة أعمق وأخطر: المعركة الإعلامية، التي قادها الإمام زين العابدين والسيدة زينب، سلام الله عليهما، في الكوفة والشام.
لقد واجه هذا الإعلام الرسالي ترسانة التزييف الأموية، التي حاولت تصوير الثوار كـ«خوارج ومتمردين»، ففكّك سردية السلطة، وأعاد بناء الوعي الجماهيري، وأسقط الأقنعة عن الطغيان.
وهنا تتجلى مسؤولية نخب الأمة وكتّابها اليوم: امتلاك أدوات الوعي، ووسائل العصر الحديثة، لمواجهة محاولات تزييف وعي الشعوب، وتصفية قضاياها المصيرية.
رابعاً: الطف كمنطلق للإصلاح الاجتماعي الشامل
إن الغاية الفلسفية القصوى من إحياء ذكرى الطف هي تحويلها من حدث عزاء موسمي إلى مدرسة حية لبناء المجتمع. فلا يستقيم إحياء الذكرى مع قبول الجهل، أو التفكك الأسري، أو التقاعس عن المسؤوليات الإنسانية والوطنية.
فثورة الإمام الحسين(ع)، ومعركة كربلاء في جوهرها، ثورة ضد الجهل أولاً، وضد الطغيان ثانياً؛ لأن الإنسان الجاهل عبءٌ على قضيته، وإن رفع شعاراتها.
والامتداد الحقيقي لقوله، سلام الله عليه: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله»؛ يتمثل في صناعة الوعي الفكري، والارتقاء الأخلاقي، وبناء مجتمع محصَّن بالعلم، والإيمان، والكرامة.
ختاماً:
حين نقول: «كل أرض كربلاء، وكل زمان عاشوراء»، لا نقولها جزافاً، بل بوصفها توصيفاً دقيقاً لصراعٍ دائم بين الحق والباطل، بين القيم الإنسانية والتوحش، بين الكرامة والانحطاط.
ستبقى معركة الطف طوفاناً فكرياً وقيمياً متجدداً، يكتسح عروش الطغيان والجهل والتبعية في كل عصر.
وستبقى تضحيات سيد الشهداء الإمام الحسين، سلام الله عليه، ودمه الطاهر الزكي، درباً واضحاً من دروب الإيمان، ومنارة للأحرار، وجذوة ثورية توقظ العقول، وتحرك الجماهير نحو حريتها وعزتها وسيادتها وقرارها المستقل.
إن كربلاء هي الجدار الصلب الذي تتكسر عليه مؤامرات سحق هوية الأمة، وستظل ثابت الأمة الوجودي في مواجهة سيف البغي والعدوان.
سلام الله على الحسين،وعلى أولاد الحسين،وعلى أصحاب الحسين،وعلى الأرواح التي حلّت بفنائهم.
لبيك ياحسين. هيهات منا الذلة