ایکنا

IQNA

دلالة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس

20:16 - August 01, 2026
رمز الخبر: 3505761
دلالة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفسبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿سورة الحُجُرات: 15﴾.
 
ما هو ميزان الإيمان الحقيقي، وكيف يُعرَف المؤمن الصادق من المُدّعي؟ فمدعو الإيمان كثير، بل معظمنا يرى نفسه مؤمنًا صادقًا في إيمانه، وكما يقول الإمام جعفر الصادق (ع): "ثَلَاثُ خِلالٍ يَقُولُ كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّهُ عَلَى صَوَابٍ مِنْهَا: دِينُهُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ، وَهَوَاهُ الَّذِي يَسْتَعْلِي عَلَيْهِ، وَتَدْبِيرُهُ فِي أُمُورِهِ".
 
تتكفَّل الآية الكريمة بالإجابة على السؤالين المتقدمَين، فتبدأ بتبيين الميزان الحق بالقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾. 
 
ولفظة ﴿إِنَّمَا﴾ من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية، مما يعني أنه ليس كل من انتسب إلى الإسلام، أو نطق بالشهادتين، أو أظهر الانتماء إلى جماعة المؤمنين، يكون قد بلغ حقيقة الإيمان التي يريدها الله، وإنما المؤمنون حقًا هم الذين اجتمعت فيهم هذه الصفات التي ذكرتها الآية.
 
وتبدأ الآية بالإيمان بالله ورسوله، إيمانًا مستقرِّا في القلب، ومُصدَّقًا بالأعمال التي تنبثق منه وتكون على شاكلته، ولذلك أضافت الآية: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، فالإيمان الحقيقي الصادق إنما هو يقين يستقر في القلب حتى يصبح جزءًا من كيان الإنسان، فلا تعبث به الشبهات، ولا تزلزله المحن، ولا تنقله الأحداث من الثقة إلى الشك، ومن الاطمئنان إلى الارتياب.
 
ولم يكن ذكر الارتياب هنا من قبيل التكرار، فإن كثيرًا من الناس يؤمنون ما دامت الأمور تجري وفق ما يشتهون، فإذا تبدلت الظروف، وتكاثرت الضغوط، واشتد البلاء، وتأخر النصر، بدأت الأسئلة المقلقة تتسلَّل إلى نفوسهم، وربما راودتهم الشكوك في الطريق الذي اختاروه، أو في الوعد الذي آمنوا به. ولهذا جاء التعبير القرآني دقيقًا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، لأن الثبات بعد الإيمان هو الامتحان الحقيقي للإيمان.
 
إن اليقين -قاري الكريم- لا يُعرَف في أوقات الراحة، وإنما يظهر حين تضطرب الأحوال، وتدلهم الخطوب، وتتأخر النتائج التي كان الإنسان ينتظرها، عندها ينكشف ما إذا كان الإيمان قد بلغ شِغاف القلب، أو أنه لا يزال قائمًا على المشاعر العابرة والانفعالات المؤقتة، ولهذا كانت الابتلاءات ميدانًا يُختبَر فيه الإيمان، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾﴿سورة العنكبوت: 2﴾.
 
ثم تنتقل الآية من الباطن إلى الظاهر، ومن اليقين القلبي إلى آثاره العملية، فتقول: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فالإيمان الذي لا يتحول إلى حركة في الواقع، ولا يثمر تضحية، ولا يدفع صاحبه إلى تحمُّل مسؤولية الحق، يبقى إيمانًا ناقصًا لم يبلغ كماله. وإن الجهاد في صورته العسكرية وإن كان من أظهر مصاديقه، لكن مفهومه لا يقتصر على ذلك بل يعم كل ما يبذله الإنسان في سبيل إقامة الحق، ونصرة الدين، وخدمة المجتمع، والدفاع عن المظلومين، وإحياء قيم العدل والخير، فمن جاهد بعلمه، أو بوقته، أو بماله، أو بجاهه، أو بنفسه في سبيل الله، فقد دخل في هذا الميدان العظيم، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.
 
ولعل تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس يحمل دلالة لطيفة، فإن بذل المال هو الامتحان الذي يواجه المؤمن في حياته اليومية، ويتكرَّر في كل زمان، أما بذل النفس فلا يقع إلا في ظروف خاصة عندما يكون الواجب رد العدوان العسكري، وكلاهما يكشف مقدار تعلُّق القلب بالله، لأن الإنسان مفطور على حب المال، وعلى الحرص على الحياة، فإذا قدمهما في سبيل الله، دلَّ ذلك على أن محبة الله قد غلبت سائر المحاب.
 
وهنا تتجلّى العلاقة الوثيقة بين اليقين والتضحية، فكلما ازداد اليقين، سهل البذل، وكلما ضعف اليقين، عظمت التضحيات في عين صاحبها، ولهذا كان أصحاب الإيمان اليقيني يبذلون أموالهم وأنفسهم وهم يرون أنهم لم يقدِّموا شيئًا يذكر، لأنهم كانوا ينظرون إلى عظمة من يبذلون له، لا إلى عظمة ما يبذلونه.
 
ومن هنا نفهم لماذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. لأن الصدق هو المطابقة بين الباطن والظاهر، وبين الدعوى والواقع، وبين الكلمة والعمل، فالصادق من صدق سلوكه دعواه، وثبت على طريقه حين اضطرب غيره، وبذل حين أمسك غيره، وصبر حين جزع غيره.
 
ولعل أخطر ما يواجه المؤمن في زماننا أن الامتحان لم يعد دائمًا في ساحات القتال، بل أصبح في ساحات الثبات على المبادئ، ومقاومة حملات التشكيك، والصبر على الضغوط النفسية
 
والإعلامية، وعدم الانجراف مع التيارات التي تسعى إلى زعزعة الثقة بالله، وبالدين، وبالمشروع الإسلامي، فكثير من الناس لا يُهزمون بالسلاح، وإنما يُهزمون بالشبهات، وتضعف عزائمهم بالإشاعات، ويستولي عليهم الارتياب حين تتأخر الثمار، أو تتعقد الظروف.
 
captcha