بقلم الأكاديمي الايراني الأستاذ "ولي الله مهدوي فر"
"رسالة سورة (العصر) لوقت تظهر فیه الأزمات هي أن النجاة تکمن في العمل الجماعي.
(العصر) في الثقافة القرآنية، يُمثل فترة يتجه فيها الإنسان بطبيعته نحو الانحدار والضياع. وتقدّم سورة العصر وصفة شاملة وعابرةً للتاريخ للخروج من هذا المأزق الوجودي.
خلافاً للنماذج الانعزالية، تُعرف هذه السورة النجاة الحقيقية عند التقاء الإيمان والعمل الصالح مع النصيحة المتبادلة، وبناء على ذلك، فإن العمل الجماعي الذي يُنظّم بهدف الحفاظ على القيم والمكتسبات الأصيلة، يتجاوز كونه مجرد تجمع، ليصبح نموذجاً استراتيجياً للانتقال من الضياع إلى الرخاء.
فيما يلي، تم تبيين الأبعاد الأربعة لهذا النموذج الاستراتيجي:
أولاً: تجلّي الإيمان في مرآة الحركة الجماعية: الإيمان بمنطق الوحي ليس حالة فردية ذاتيةً بحتة، بل هو اعتقاد راسخ يتجذّر في التفاعلات الاجتماعية.
التجمعات الشعبية هي بيئة ديناميكية لـ «إعادة إنتاج الإيمان»، وفي هذا الفضاء، يؤدي حضور الأفراد بجانب بعضهم البعض إلى تآزر معنوي وتعزيز لليقين. بهذه الطريقة، سيتحول الإيمان الفردي إلى «هوية جماعية مقاومة» تمنع تسلل اليأس والغفلة في المجتمع.
ثانیاً: تجسيد النية في صورة العمل الصالح الاجتماعي: يتطلب النجاة من الخسارة تحويل الإيمان إلى عملٍ صالح وأسمى مستويات العمل الصالح هو العمل الفعّال المنظم لتحسين الأوضاع، وتعزيز التضامن، والحفاظ على الإنجازات السامية للمجتمع.
ثالثاً: التواصي بالحق؛ سياق المطالبة والديناميات الاجتماعية: تشير كلمة (التواصي) إلى فعل تبادلي، وثنائي، وديناميكي. وتُعدّ التجمعات الشعبية القائمة على القيم هي الكيان الأكثر كفاءة لـ «التواصي بالحق».
في هذه البيئة، لا يعيش الأفراد في حالة انفعال، بل يدعو بعضهم بعضاً بنشاط إلى الحقيقة، والالتزام بالمبادئ، والمطالبة المسؤولة، والنقد المصلح. هذا التذكير المتبادل يُحصن المجتمع ضد نسيان الأهداف.
رابعاً: التواصي بالصبر؛ آلية لخلق المقاومة والصمود: کما أن حمایة القیم والإنجازات الکبری یواجه تحدیات وعراقیل. سورة العصر ترى أن الاستدامة مرهونة بـ «التواصي بالصبر». في الأفعال الجماعية المستمرة، يتم تعويض التعب الفردي في ظل التعاطف الجماعي. الحضور في التجمعات يرتقي بالاستدامة من صفة فردية إلى «رأسمال اجتماعي صلب» يضمن مقاومة المجتمع أمام الضغوط المختلفة.
النموذج الاستراتيجي المقدم في سورة العصر المباركة يوضح لنا أن عبور الخسائر المستنزفة للعصر يتطلب الانتقال من الحياة الفردية إلى الحياة الجماعية المسؤولة. التجمعات الشعبية التي تتشكل على أساس القيم الأصيلة، عبر تعزيز الإيمان، وتنظيم العمل الصالح، وإحياء التواصي بالحق، وتعميق التواصي بالصبر، هي المصداق البارز لتحقق هذا النموذج التحرري.