ایکنا

IQNA

الدین ليس ميدانًا للاجتهاد في مقابلة النص

17:24 - August 02, 2026
رمز الخبر: 3505777

الدين ليس ميدانًا للاجتهاد في مقابلة النصبقلم الباحث اللبنانی فی الشوون الدینیه "السيد بلال وهبي"

قال الله تعالى: "قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿سورة الحجرات: 16".

الدين كما أنزله الله لا كما يريده الناس، لأن ما يعلمه الله لا يعلمه الناس، فالله هو خالقهم والعليم الخبير بهم، وهو الرؤوف الرحيم الحكيم، الذي لا يأمر الإنسان إلا بما له مصلحة أكيدة فيه، ولا ينهاها إلا عمّا فيه مفسدة أكيدة فيه.

الآية الكريمة تعالج آفة فكرية خطيرة، وهي أن يتصور الإنسان أن له أن يُعرِّف الدين كما يشاء، أو أن يمنح نفسه شهادة الإيمان، أو أن يعيد رسم حدود الدين بحسب ما يراه ويهواه، ولهذا جاء الخطاب الإلهي على صورة استفهام يحمل في طياته أشدَّ ألوان التوبيخ: *﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾*.

وما أعجب هذا السؤال! فالعبد المحدود في علمه، الضعيف في إدراكه، يقف بين يدي العليم المطلق، ليخبره بحقيقة دينه، أو ليقرِّر له من هو المؤمن ومن هو غير المؤمن، فجاءت الآية الكريمة لتوقظ الإنسان من هذا الوهم، وتقول له: إن الدين ليس شيئًا تملكه حتى تعرِّف الله به، وإنما هو وحيٌ نزل من عنده، وهو سبحانه أعلم بحقيقته، وأعلم بمن صدق فيه ومن ادعاه.

وقد نزلت الآية -كما جاء في أسباب النزول- في قوم أعلنوا الإيمان بألسنتهم، ورأوا أن ذلك يكفي ليُعامَلوا معاملة المؤمنين الكاملين، فجاءهم الجواب بأن الله لا يحتاج إلى من يخبره بما في القلوب، فهو العليم بما فيها، وهو الخبير بحقيقة الإيمان الذي يُظهِره هؤلاء وأولئك، ولمّا كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذلك فإنّ الآية الكريمة تخاطب كل جيل، وتحذِّر كل شخص أو جماعة من أن تجعل أهواءها مصدرًا لفهم الدين، أو مقياسًا للحكم عليه.

الدين لا يُؤخذ بالرأي الشخصي، ولا بالأذواق، ولا بالعادات، ولا بالضغوط الاجتماعية، وإنما يؤخذ من الله ورسوله، فالله هو الذي شرَّع أحكام الدين، وهو الذي رسم حدوده، وليس لأحد بعد ذلك أن يزيد فيه أو يُنقِص منه، أو يُبدِّل معالمه، أو يُكَيِّفَه وفق ما تمليه عليه رغباته أو ظروف عصره.

ولهذا كان أئمة أهل البيت (ع) يؤكِّدون أن الدين ليس ميدانًا للاجتهاد في مقابلة النص، ولا للرأي في مقابل الوحي، فقد روي عن الإمام الباقر (ع): *"إِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالْعُقُولِ"*، وروي عن الإمام الصادق (ع): *"إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ"* وليس المراد بذلك تعطيل العقل، فإن الإسلام هو دين العقل، ولكنه العقل الذي يهتدي بالوحي، لا العقل الذي يجعل نفسه حاكمًا على الوحي، فيقبل منه ما وافق هواه، ويرفض ما خالف رغباته.

ومن هنا كانت أخطر صور الانحراف أن يتحوّل الإنسان من متلقٍّ للدين إلى مشرِّع فيه، فيبدأ بتعديل الأحكام، أو إعادة تفسير النصوص لتنسجم مع ميوله، أو تقديم آرائه الشخصية على ما ثبت عن الله ورسوله، حتى يصبح الدين تابعًا للإنسان، بعد أن أراد الله للإنسان أن يكون تابعًا للدين.

ولذلك أعقب سبحانه هذا الاستفهام بقوله: *﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾*، ليبين أن الذي يعلم أسرار الكون، وخفايا النفوس، وعواقب الأمور، هو وحده الذي يملك حق التشريع والهداية. أما الإنسان، فعلمه محدود، ونظره قاصر، وقد تخدعه الظواهر، وتؤثر فيه البيئة، ويغلبه الهوى، وتحيط به المؤثرات النفسية والاجتماعية، فكيف يجعل من هذا العلم المحدود ميزانًا يصحح به ما أنزله الله؟

إن كثيرًا من الانحرافات الفكرية عبر التاريخ لم تبدأ بإنكار الدين، وإنما بدأت بإضافة ما لم يأذن الله به، أو بحذف ما استثقله الناس، أو بتأويل النصوص حتى تفقد دلالتها، ثم تسمية ذلك كله فهمًا جديدًا للدين، أو قراءةً معاصرة له، غير أن القرآن يرد على كل هذه المحاولات بكلمة واحدة: *﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾*.

وفي زماننا هذا تشتد الحاجة إلى استحضار هذا الأصل، فقد أصبح كثير من الناس يتعاملون مع الدين بمنطق الانتقاء، فيأخذون منه ما يوافق ثقافتهم أو رغباتهم، ويتركون ما يخالف أهواءهم، أو يعيدون تفسير الأحكام لتنسجم مع الواقع السائد، حتى غدا بعضهم يتصور أن معيار صحة الدين هو مدى توافقه مع الرأي العام، لا مدى موافقته للوحي الإلهي.

لكن المؤمن الحق يعلم أن وظيفة الدين ليست أن يتبع أهواء الناس، وإنما أن يهديهم إلى ما يُصلِحهم، وأن يرتفع بهم فوق نزواتهم، وأن يصوغ حياتهم وفق الحكمة الإلهية، لا وفق الرغبات البشرية. ولهذا كان التسليم لله من أعظم ثمار الإيمان، لأن المؤمن يوقن أن علم الله أكمل من علمه، وحكمته أوسع من حكمته.

captcha