ایکنا

IQNA

12:38 - August 10, 2026
رمز الخبر: 3505872

سِرّ اقتران الإيمان بالتقوى

بقلم الباحث اللبنانی فی الشوون الدینیه "السيد بلال وهبي"

سِرّ اقتران الإيمان بالتقوى

قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿سورة الحديد: 28)".

عظيمة ومهمة الحقيقة التي تعالجها هذه الآية الكريمة، فقد يظن أحدنا أنه إذا آمن واستقر الإيمان في قلبه وصدَّقته أعماله يكون قد بلغ غاية الإيمان، غير أن القرآن الكريم يرى هذا الإيمان بداية الطريق نحو مزيد من التكامل الروحي والمعنوي والأخلاقي، يراه سُلَّمًا يعرج عليه المؤمن درجة بعد أخرى حتى يبلغ ما يمكنه منها، حيث إن للإيمان درجات ومراتب، وليس مرتبة واحدة يبلغها الناس جميعًا. فقد يؤمن الإنسان من حيث التصديق، ولكنه لا يبلغ بعد مرتبة التسليم الكامل، ولا يصل إلى الإيمان الذي ينعكس على سلوكه، ويوجّه خياراته، ويصبح ميزانًا لكل مواقفه. ولذلك جاء الأمر -في الآية الكريمة- بالإيمان بعد الإيمان انتقالًا بالمؤمن من مجرد الانتساب إلى الإسلام، إلى حقيقة العبودية الكاملة لله، فقال تعالى: *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾*.

ومنه نفهم سِرَّ اقتران الإيمان بالتقوى في الآية، فالتقوى هي الدليل العملي على صدقه. وكلما ازداد الإيمان رسوخًا، ازدادت التقوى حضورًا، حتى يصبح المؤمن شديد الإلتزام بأوامر الله ونواهيه، فينهض إلى أداء كل واجب، ويُتبعه بما يقدر عليه من مستحب، ويجتنب كل حرام، وتأبى نفسه المكروهات، وقد يتورَّع عن المباحات، ولا يتحرك إلا وهو يسأل نفسه: ماذا يريد الله مني؟

ومما لا شَكَّ فيه أن الإيمان بالله تعالى يقتضي الإيمان بخاتم رُسُله محمد (ص)، ولكننا نلاحظ أن الآية الكريمة أمرت بالإيمان به، فقالت: *﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾*، ولهذا سببان محتملان:

الأول: هو ما ذكره جمع من المفسرين من أن الآية الكريمة تخاطب أهل الكتاب الذين آمنوا بالله وبأنبيائه ولم يؤمنوا بمحمد (ص) رسولًا، لذلك دعتهم إلى أن يتقوا الله، أي يخافوه ويخشوا غضبه عليهم حين ينكرون نبوة خاتم أنبيائه (ع)، فالإيمان بنبي دون آخر يدل على أن هذا الشخص فاقد لصفة التقوى، ومعاند للحق، لأن ذات البراهين التي برهنت له على نبوة من سبق محمدًا (ص) من الأنبياء تثبت نبوته أيضًا.

الثاني: أن الاكتفاء بالتصديق بنبوة محمد (ص) لا يُصَيِّر المؤمن مؤمنًا حقيقيًا، بل لا بد من اتباعه وطاعته والتسليم الكامل لكل ما جاء به من عند الله، فالإيمان الحقيقي برسول الله لا يقتصر على محبته والثناء عليه، وإنما يظهر حين تتعارض أهواء النفس مع توجيهاته، فيكون حكمه أحب إلى المؤمن من رأيه، وأمره مقدمًا على هواه، كما قال تعالى: *فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿سورة النساء: 65﴾*. وهذا هو الإيمان الذي أشار إليه بعض المفسرين بأنه "إيمان بعد إيمان"، ومرتبة فوق التصديق، ولذلك رتب الله عليه عطاءً أعظم.

ثم يأتي الوعد الإلهي: *﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾*. والكِفْلُ هو النصيب والحظ. غير أن التعبير بـ "كفلين" يلفت النظر، وقد ذكر المفسرون في بيان ذلك وجوهًا متعددة، فقيل: هما نصيب في الدنيا ونصيب في الآخرة، وقيل: أجر على أصل الإيمان، وأجر على كماله، وقيل: ثواب على الإيمان بالرسل السابقين، وثواب على الإيمان بخاتمهم محمد (ص). ولا تعارض بين هذه المعاني، بل يجمعها معنى واحد، وهو أن الإيمان الصادق لا يزيد صاحبه قربًا من الله فحسب، بل يضاعف له آثار الرحمة في دنياه وأخراه.

ولعل أجمل ما في التعبير أنه نسب الكفلين إلى الرحمة، لا إلى الأجر. فالرحمة أوسع من الأجر، لأنها تشمل ما يستحقه العبد وما يتفضل الله به عليه. وقد يكون الإنسان بعمله يستحق قدرًا محدودًا، لكن رحمة الله تتجاوز حدود الاستحقاق، فتفيض عليه من الخير ما لا يبلغه عمله وحده.

غير أن أعظم ما وعدت به الآية بعد الرحمة هو قوله تعالى: *﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾*. فالإنسان لا يحتاج في حياته إلى شيء أكثر من حاجته إلى النور. وليس المقصود نور الأبصار، وإنما نور البصائر، ذلك النور الذي يبدِّد ظلمات الحيرة، ويفرِّق بين الحق والباطل، ويكشف الشبهات، فلا ينخدع بزخرف الباطل.

إن كثيرًا من الناس أذكياء بلا شك، ولكنهم يفتقدون البصيرة، ويملكون المعلومات، ولكنهم يعجزون عن التمييز بين الغثِّ والسمين منها. أما المؤمن الذي عمر قلبه بالتقوى، واستنار بهدي رسول الله (ص)، فإن الله يرزقه نورًا يمشي به نورًا يهديه في المواقف الملتبسة، ويقود حركته، ويوجِّه سلوكه، ويجعله يرى من الحقائق ما لا يراه غيره، فيعرف سبيله إلى الله، ويهتدي به في قراراته ومواقفه، ثم يتحول هذا النور يوم القيامة إلى نور حِسِّي يسعى بين يديه، كما وعد الله عباده المؤمنين، فالنور الأخروي ليس إلا الامتداد الطبيعي للنور الذي عاش به القلب في الدنيا.

captcha