ایکنا

IQNA

12:51 - August 10, 2026
رمز الخبر: 3505873

ما وظيفة الشاك في وجود الله عقلاً؟

بقلم: آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري؛ أستاذ الدراسات العليا في حوزة النجف الأشرف

ما وظيفة الشاك في وجود الله عقلاً؟

"بسم الله الرحمن الرحيم

ليس الشك نهاية الطريق دائماً، فقد يكون بدايته. وليس كل من لم يصل إلى اليقين منكراً، كما أن عدم العلم بالحقيقة لا يعني العلم بعدمها. وبين هذين الموقفين مساحة واسعة يقف فيها الإنسان متسائلاً، باحثاً، مترقباً لما ينتهي إليه الدليل. ومن هنا تنشأ مسألة دقيقة من مسائل المعرفة والعقيدة: إذا شك الإنسان في وجود الله تعالى، ولم يثبت لديه الإيمان ولم يقم عنده دليل على الإنكار، فما الذي يحكم به العقل في حقه؟ وهل يبيح له شكه أن يعامل الوجود الإلهي معاملة المعدوم، أم أن للشك نفسه مقتضىً عقلياً يجب الوقوف عند حدوده؟

إن الإنسان مفطور على البحث عن علل الأشياء وأسبابها؛ فما إن تقع عينه على ظاهرة حتى يتساءل عن منشئها، وما إن يواجه نظاماً حتى يبحث عما يفسره. وهذه النزعة ليست طارئة على العقل، بل هي من صميم حركته المعرفية؛ إذ لا يطمئن إلى الحوادث من غير أن يسأل عن أسبابها، ولا يقف عند ظاهر الأشياء إذا كان وراءها ما يستحق الكشف والنظر.

وإذا كان الإنسان يفعل ذلك في ظاهرة محدودة من ظواهر الكون، فإن السؤال يصبح أعمق حين يتجه إلى الوجود كله: من أين جاء هذا العالم؟ وما سر انتظامه؟ ولماذا وجد الإنسان فيه؟ وهل يقف وجوده عند حدود هذه الحياة، أم أن وراء الموت نشأة أخرى؟

غير أن البحث في وجود الله تعالى يتميز عن كثير من البحوث الأخرى بخطورة ما يترتب عليه؛ لأن الإنسان لا يبحث هنا عن حقيقة بعيدة عن مصيره، وإنما يبحث عن حقيقة يتغير على أساسها تفسير وجوده كله، وتتحدد في ضوئها غاية حياته ومسؤوليته ومصيره.

ومن هنا ينبغي قبل كل شيء أن نميز بين موقفين مختلفين: عدم العلم بالوجود، والعلم بالعدم. فالشاك لم يثبت لديه وجود الله، ولكنه ـ ما دام شاكاً ـ لم يثبت لديه عدمه أيضاً. ولو ثبت له أحد الطرفين بالدليل لخرج عن حقيقة الشك وأصبح مثبتاً أو نافياً.

وهذه قضية أولية في ميزان العقل؛ لأن الشك تردد بين طرفين، فلا يصح أن يمنح الإنسان أحد الطرفين حكم اليقين وهو لم يقم عليه برهان. ومن ثم فإن الانتقال من قول الإنسان: «لم يثبت عندي وجود الله» إلى قوله: «ثبت عندي أن الله غير موجود» انتقال من موقف معرفي إلى موقف آخر يحتاج إلى دليل مستقل.

وبعبارة أدق: عدم وجدان الدليل ليس في نفسه دليلاً على عدم المدلول، كما أن الجهل بالشيء لا يتحول، من تلقاء نفسه، إلى معرفة بعدمه.

ومن هنا يظهر الخلل في موقف من يجعل شكه أساساً للإنكار؛ فإنه يبدأ من «لا أعلم»، ثم ينتهي من غير برهان إلى «أعلم أنه ليس موجوداً»، مع أن المسافة بين القضيتين هي المسافة بين الجهل والعلم، ولا يجوز للعقل أن يقطعها بغير حجة.

والإنصاف المعرفي يقتضي أن يقف الإنسان حيث انتهى به دليله؛ فإن كان شاكاً قال: لا أعلم، ولم ينسب إلى الواقع ما لم يثبت لديه. وهذا ليس ضعفاً فكرياً، بل أمانة عقلية؛ لأن الاعتراف بحدود المعرفة أول شروط الوصول إلى المعرفة.

ولكن هل تنتهي وظيفة الشاك عند هذا الحد؟

الجواب: كلا؛ لأن خطورة المحتمل تمنع العقل من الركون إلى الشك وترك البحث.

فإذا احتمل الإنسان وجود خالق حكيم أوجده لغاية، واحتمل أن لهذه الحياة امتداداً بعد الموت، وأن هناك حساباً وجزاءً، وأن سعادته الأبدية أو شقاءه قد يرتبطان بموقفه من هذه الحقيقة، لم يكن من الحكمة أن يعامل هذا الاحتمال معاملة أمر لا يعنيه.

وهنا تظهر قاعدة عقلائية واضحة يمارسها الإنسان في حياته اليومية: كلما عظمت خطورة المحتمل، استحق الاحتمال مزيداً من الاهتمام، وإن لم يكن الإنسان قد بلغ فيه مرتبة اليقين.

فلو قُدّم لإنسان طعام يحبه، ثم أخبره من يحتمل صدقه أن فيه مادة قاتلة، لم يكن من العقل أن يقول: ما دمت غير متيقن بوجود السم فسوف آكله. بل يتوقف ويفحص حتى يتبين له الأمر؛ لأن القضية لا تقاس باحتمال الخطر وحده، وإنما تقاس أيضاً بعظمة ما يترتب عليه إذا كان الاحتمال مطابقاً للواقع.

وإذا كان العقل يحتاط في أمر يتعلق بحياة محدودة، فكيف بقضية يتوقف عليها ـ على فرض صدقها ـ معنى الحياة كلها ومصير الإنسان بعد الموت؟

ومن هنا تتحدد وظيفة الشاك عقلاً في أمرين متلازمين: الأمانة في الموقف، والجدية في البحث. فلا يدعي النفي ما دام لم يقم عليه دليل، ولا يحول شكه إلى حالة من اللامبالاة، بل يبذل وسعه في النظر والفحص، متجرداً عن الهوى والعناد، طالباً للحقيقة من حيث هي حقيقة، ومستعداً لقبول ما ينتهي إليه البرهان.

وهذا البحث لا يصح أن يكون صورياً، بحيث يطلب الإنسان الدليل وقد اتخذ قراره قبل أن يبدأ، وإنما ينبغي أن يكون بحثاً صادقاً تتساوى أمامه الاحتمالات في البداية، ثم يكون الحكم للدليل في النهاية. وهنا تظهر القيمة الأخلاقية للمعرفة؛ فإن الحقيقة لا تُطلب بالعقل وحده، بل تحتاج كذلك إلى نزاهة في الإرادة، وإنصاف في النظر، واستعداد نفسي لقبول النتيجة ولو خالفت ما ألفه الإنسان أو اشتهته نفسه.

ومن هذا الباب يمكن أن نفهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 69).

فالمجاهدة في طريق الحقيقة ليست حركة الجسد وحده، بل يدخل فيها جهاد الفكر والنفس، وتحرير العقل من سلطان المسبقات والأهواء، والصبر على البحث حتى ينكشف وجه الحق.

كما أن الحكمة ليست ألفاظاً تحفظ، وإنما نور من المعرفة يصيب به الإنسان موضع الحقيقة، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (سورة البقرة: 269).

وفي المقابل، فإن الظلم المعرفي يبدأ حين لا يعود الإنسان طالباً للحقيقة، بل طالباً لما يؤيد موقفاً اختاره سلفاً؛ فيقبل ما يوافق هواه ويرفض ما يخالفه قبل النظر في حجته. وحينئذ لا تكون المشكلة في غياب الدليل وحده، وإنما في النفس التي أغلقت بعض منافذها أمامه. قال سبحانه: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (سورة إبراهيم: 27).

وهكذا لا يطالب العقل الشاك بأن يؤمن قبل الدليل، كما لا يأذن له أن ينكر بغير دليل؛ وإنما يطالبه بشيء أسبق من الإيمان والإنكار: أن يكون عادلاً مع الحقيقة. والعدل معها أن لا يثبت ما لم يعلم، ولا ينفي ما لم يعلم، وأن يبحث بصدق عن الحقيقة التي يتوقف عليها تفسير وجوده ومصيره.

إشراقة ختامية

الشك الصادق ليس خصماً للحقيقة، بل قد يكون باباً إليها؛ وإنما يصبح حجاباً حين يتحول من سؤال يبحث عن جواب إلى موقف يرفض الجواب قبل أن يسمعه. ولذلك فإن أول واجب على الشاك في وجود الله تعالى ليس أن يتظاهر بيقين لا يملكه، ولا أن يستعجل نفياً لا دليل عليه، بل أن يصون عقله عن الدعوى بغير علم، وأن يمنح أعظم أسئلة الوجود ما يستحقه من بحث وإنصاف. فإذا صدق في الطلب، وتجرد عن الهوى، وأعطى البرهان حقه من النظر، كان قد وضع قدمه على أول الطريق؛ فإن الحقيقة لا تخشى السؤال، وإنما الذي يحجب عنها هو أن يتوقف الإنسان عن السؤال قبل أن يبلغ الجواب.

captcha