"قال الله سبحانه وتعالى في
القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿سورة المجادلة: 9﴾.
قد يظن بعضنا أن أخطر ما يهدد المجتمعات هو الصراع الذي يقع في ميادين المواجهة العسكرية، بينما يكشف القرآن عن ميدان آخر لا يقل خطورة، بل قد يكون هو الذي يصنع تلك المواجهات من الأساس، إنه ميدان الكلمة. فالمجتمعات لا تتشكل بالقوانين وحدها، وإنما تتشكل كذلك بالأحاديث التي تدور في مجالسها، والأفكار التي تتداولها، والرسائل التي يتناقلها أفرادها.
ولهذا أولى القرآن عناية كبيرة لما يدور في المجالس، حتى في الأحاديث الخاصة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
ولم ينه القرآن عن النجوى في ذاتها، لأن التشاور وتبادل الرأي حاجة إنسانية لا تستقيم الحياة من دونها، ولكنه وجَّه مضمونها، لأن القضية ليست في اجتماع الناس، وإنما في طبيعة ما يجتمعون عليه. فهناك نجوى تُنتِج خيرًا، وأخرى تُنتج شرًا، والفرق بينهما هو الفكرة التي تُبث، والكلمة التي تُقال، والأثر الذي تتركه في النفوس.
ولهذا جمع القرآن بين الإثم والعدوان ومعصية الرسول الأعظم(ص)، ليبين أن الكلمة قد تبدأ انحرافًا أخلاقيًا، ثم تتحول إلى اعتداء على الآخرين، ثم تنتهي إلى تقويض المنهج الذي يقوم عليه المجتمع المؤمن. فالكلمة ليست حدثًا عابرًا، بل قوة تصنع الاتجاهات، وتؤثر في القناعات، وقد تهدم في ساعات ما بُني في سنوات.
ومن هنا تضع الآية الكريمة مبدئًا مهمًا، وهو أن كل مجلس يُشحَن بما يفسِد النفوس، أو يزرع الشكوك، أو يثير الأحقاد، أو يُضعف الثقة بين الناس، أو يفتح أبواب الفرقة، فهو داخل في دائرة النجوى التي نهى الله عنها. فليست خطورة المجالس في ارتفاع الأصوات فيها، وإنما في الأفكار التي تغادرها لتستقر في عقول الناس وقلوبهم.
وتزداد أهمية هذا التوجيه عندما تمر الأمة بظروف دقيقة تحتاج فيها إلى تماسك صفها ووحدة موقفها. ففي مثل هذه الأحوال قد تتحول بعض المجالس إلى بيئات تُبث فيها الإشاعات، وتُضخَّم فيها الأخطاء، وتُثار فيها الخلافات، وتُطرح فيها رؤى تُضعف العزائم، وتزرع اليأس، وتدفع الناس إلى التشكيك بعضهم ببعض، في الوقت الذي يكونون أحوج ما يكونون إلى وحدة الكلمة، ووحدة المشاعر، ووحدة الخيارات. وهنا تصبح الكلمة مسؤولية اجتماعية وأخلاقية قبل أن تكون مسؤولية فردية.
وفي المقابل، يرسم القرآن البديل بقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. أن مجالس المؤمنين ينبغي أن تكون ورشًا لصناعة الخير، وتثبيت القيم، وتقوية الإرادة، وإصلاح ذات البين، وبعث الأمل، والبحث عن الحلول، لا منصات لتبادل الاتهامات، أو تصفية الحسابات، أو صناعة الإحباط. فالكلمة التي تجمع القلوب من البر، والكلمة التي تمنع الفتنة من التقوى.
ويختم الله الآية بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ليجعل الضمير هو الرقيب الأول على الكلمة. فالمؤمن لا يسأل نفسه فقط: ماذا أقول؟ بل يسأل قبل ذلك: ماذا سيصنع قولي؟ وهل سيكون لبنة في بناء المجتمع، أم ثغرة ينفذ منها الخلاف إليه؟
إن هداية هذه الآية لا تقف عند حدود أدب الحديث، وإنما تؤسس لثقافة قرآنية كاملة، ترى أن سلامة المجتمع تبدأ من سلامة الكلمة، وأن وحدة الأمة لا تُصنع في ساحات القرار وحدها، بل تُصنع أيضًا في المجالس، حيث تتكون الأفكار، وتتشكل القناعات، وتُبنى الثقة، أو يُبدأ في هدمها.