وأعلن عن ذلك، أستاذ الفلسفة وعلم الكلام في الجامعة اللبنانية "الدكتور خضر نبها" في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) في معرض حديثه عن دور الإمام الرضا (ع) في تعزيز الحوار بين الأديان و
التقريب بين المذاهب الاسلامية وتقوية الحركة الفكرية.
منهج الإمام الرضا (ع) في مناظرة أتباع الأديان الأخرى
وقال الدكتور خضر نبها: "تميّز
الإمام علي بن موسى الرضا (ع) بمنهج حواري يقوم على الاحتجاج على الآخر بما يؤمن به من مصادر، إلى جانب الدليل العقلي. وتظهر هذه الطريقة في مناظراته مع الجاثليق ورأس الجالوت وعمران الصابئ وغيرهم في مجلس المأمون. فلم يكن يلزم المسيحي ابتداءً بالقرآن الكريم، بل ناقشه انطلاقًا من الإنجيل، كما احتج على اليهودي بالتوراة. وقد حفظ الشيخ الصدوق جانبًا مهمًا من هذه المناظرات في كتاب (عيون أخبار الرضا). ويكشف هذا الأسلوب عن معرفة الإمام(ع) بعقائد المخالفين، واعتماده الحوار الهادئ والحجة بدل الإقصاء، مع المحافظة على ثوابت العقيدة الإسلامية.
الاستفادة من منهج الإمام الرضا (ع) في حوار الأديان المعاصر
وأضاف أنه "يمكن استلهام النموذج الرضوي اليوم بالانتقال من الحوار البروتوكولي إلى الحوار المعرفي؛ أي أن يدرس كل طرف عقيدة الآخر من مصادرها الأصلية قبل مناقشتها، وأن ينطلق الحوار من المشتركات الإنسانية والدينية مع الاعتراف الصريح بوجود الاختلافات العقدية.
كما يمكن تطوير هذا النموذج من خلال مراكز أكاديمية للحوار تجمع علماء الأديان والمتخصصين في العلوم الإنسانية لمناقشة قضايا معاصرة مشتركة، كالسلام والحروب والعدالة الاجتماعية والبيئة والذكاء الاصطناعي وكرامة الإنسان. فالحوار في النموذج الرضوي لا يعني التنازل عن الهوية، بل إدارة الاختلاف بالعقل والمعرفة بدل التعصب والصراع.
إستراتيجيات التقريب بين المذاهب في سيرة الإمام الرضا (ع)
وأشار أستاذ الفلسفة وعلم الكلام في الجامعة اللبنانية الى أنه "لم يكن مفهوم «التقريب بين المذاهب» بصورته المؤسسية الحالية موجودًا في عصر الإمام، إلا أن سيرته تقدم مبادئ مهمة يمكن البناء عليها، أبرزها: اعتماد الحجة بدل التكفير، واحترام المخالف، والعودة إلى القرآن والسنة باعتبارهما مساحة إسلامية مشتركة، والتمييز بين الاختلاف العلمي والصراع الاجتماعي".

كما أن مناظرات الإمام(ع) مع الاتجاهات الكلامية المختلفة تبين أنه لم يكن يهرب من المسائل الخلافية، وإنما كان يناقشها بالدليل. وبالتالي، فإن التقريب المستفاد من سيرته لا يعني إلغاء الاختلاف السني ـ الشيعي، بل تحويله من عامل للصراع إلى موضوع للبحث العلمي والتعايش والتعاون.
دور مناظرات الإمام الرضا (ع) في ترويج مدرسة أهل البيت والحضارة الإسلامية
وصرّح الدكتور خضر نبها أنه "أدت مناظرات الإمام الرضا (ع)، ولا سيما في عهد المأمون العباسي، دورًا مهمًا في إبراز البُعد العلمي والعقلي لمدرسة أهل البيت (ع). فقد واجه الإمام(ع) علماء من أديان واتجاهات متعددة في بيئة شهدت نشاطًا كلاميًا وفلسفيًا واسعًا".
وبیّن أنه "ساهم ذلك في تقديم الإمامة باعتبارها، في التصور الشيعي، ليست مجرد قضية سياسية، بل مرجعية دينية ومعرفية أيضًا. كما أسهمت تلك المناظرات في ترسيخ ثقافة الاحتجاج والمناظرة والتفاعل الفكري التي كانت أحد مظاهر ازدهار الحضارة الإسلامية في العصر العباسي. ولا يصح تاريخيًا نسبة تشكيل الحضارة الإسلامية إلى هذه المناظرات وحدها، بل ينبغي اعتبارها جزءًا من حركة فكرية أوسع شهدها القرنان الثاني والثالث الهجريان".
الإمام الرضا (ع) وحركة الترجمة وازدهار العلوم
وقال: "ينبغي التعامل مع هذه المسألة بدقة تاريخية؛ فلا تتوافر أدلة كافية تسمح بالقول إن الإمام الرضا (ع) كان مسؤولًا بصورة مباشرة عن حركة الترجمة. وإنما عاش الإمام(ع) في عصر المأمون الذي شهد توسعًا كبيرًا في نقل العلوم والفلسفات إلى العربية".
وأضاف أنه "تكمن أهمية التجربة الرضوية في التفاعل مع البيئة الفكرية التي رافقت الانفتاح على الثقافات الأخرى. فقد أفرز انتقال المعارف اليونانية والفارسية وغيرها أسئلة فلسفية وكلامية جديدة، وأظهرت مناظرات الإمام(ع) إمكانية التعامل مع الفكر الوافد بالحجة والنقد بدل رفضه لمجرد كونه أجنبيًا. من هنا يمكن استلهام قاعدة حضارية مهمة: أن نهضة العلوم الإسلامية تتحقق من خلال الانفتاح على المعرفة، ثم استيعابها ونقدها وإعادة إنتاجها ضمن البيئة الإسلامية".
مواجهة الغلو والانحراف الفكري
وأكد أستاذ الفلسفة وعلم الكلام في الجامعة اللبنانية أن "الأدق علميًا استخدام مصطلحات مثل الغلو والانحراف العقدي والتوظيف السياسي للدين بدل «النفاق المتطرف». وقد واجه الإمام الرضا (ع) هذه الظواهر من خلال التوعية والاستدلال وتصحيح المفاهيم الدينية".
وأشار الى أنه "كان موقفه من الغلاة واضحًا؛ إذ رفض الاتجاهات التي ترفع الأئمة فوق مقام العبودية لله، مؤكدًا التوحيد وعبودية الأنبياء والأئمة لله تعالى. كما أن تجربته مع ولاية عهد المأمون تكشف عن وعيه بخطورة توظيف السلطة السياسية للمكانة الدينية لأهل البيت؛ ولذلك تذكر المصادر أنه اشترط عند قبوله ولاية العهد ألا يتولى بصورة فعلية العزل والتعيين وتغيير النظام الإداري القائم. وبذلك يمكن تلخيص منهج الإمام في مواجهة التطرف الفكري في ثلاثة مستويات: تصحيح العقيدة بالحجة، ورفض الغلو، وبناء وعي يمنع استغلال الدين لأغراض سياسية أو فئوية".