يقول
القرآن الكريم: «لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ»؛ أي لا تكن سكرانَ بالنعمة، فإن الله لا يحب المستهترين؛ ولا تكن مبهوراً بالدنيا، فإن الله لا يحب الغارقين في السرور المذموم.
إن قانون التعامل مع النعم هو أن يسيطر الإنسان على نفسه كي لا يقع في فخ «الفرح». فالفرح يوهن وجود الإنسان؛ إذ في هذه الحالة، تصبح النعمة هي التي تملك الإنسان، بدلاً من أن ينتفع الإنسان بالنعمة. إن هذا السكر الروحي يلقي بالمرء في غياهب الغفلة، ويعمي بصيرته حتى يقع في حفرة السقوط. كما أن السكر بالنعمة يجعل الإنسان يغفل عن رؤية يد الله في حياته، فيغرق في نفسه بدلاً من أن يتوجه بالشكر للخالق.
إن السكر عند نيل النعم يشبه معدةً تستقبل الطعام ولكنها لا تملك القدرة على هضمه؛ فنشرىذاك الطعام يتخمر ويسبب الانتفاخ. لذا يجب إعداد الروح لكي تكون في مقام «الشكر» عند حصول النعمة؛ لأن الالتزام بقانون الشكر يؤدي إلى النمو الوجودي للإنسان، ويجعله مؤهلاً لجذب نعمٍ أعظم.
وإلى جانب قانون «لا تفرح»، يوجد قانون «لا تحزن»: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ»؛
وفي المقابل، إذا سُلبت نعمة من الإنسان، فلا ينبغي له أن يستسلم للضعف والغم والاكتئاب؛ تماماً كمعدةٍ مصابة بالقرحة، تضطرب عند أدنى نقص في وصول الغذاء.
يجب أن يكون «الجهاز الهضمي للروح» قوياً في التعامل مع النعم، وإلا أصبح الإنسان لعبةً في يد النعم، بل ويحولها إلى «نقم». أما «شبه الإنسان»، وبسبب ضعفه الوجودي وعدم نضج جهازه الهضمي الروحي، فهو في تذبذب دائم بين الفرح والاكتئاب؛ فتارة تغلبه الغفلة بالشاد، وتارة تغلبه الغفلة بالغم، فيكون صيداً سهلاً للشيطان. وكما قال العلامة حسن زاده آملی (قدس سره) في أبيات طبری: «لا يُصادُ المرء حتى يغفل، ولا يُصاب بسهمٍ إلا إذا غفل»؛ فهذه الغفلة هي التي تجعل الصيد يقع في فخ الصياد.
إن الإيمان بأن «الفرح» و«الحزن» كلاهما ضار ورذيلة، هو طريق النجاة. وإن سعي «قارون زماننا» (ترامب الملعون) لبناء صالات رقص بمساحات شاسعة، يدلّ على أن غذاء أسفل المرتبات من الكائنات هو «الغفلت»؛ وهي غفلة تمثل منحدر السقوط وضعف الوجود، حتى يصل بهم الأمر إلى زيادة هذه الغفلة بتناول المسكرات في مجالس اللهو واللعب، وظناً منهم في لحظات الاكتئاب أن السكر هو سبيل الخلاص من المشكلات.
هل تساءلتم يوماً لماذا لم يفتح دين الإسلام الباب أمام الرقص والموسيقى والخمور، ولم يعتبرها مستحبة في أي حال، بل رآها دائماً «مرجوحة» (أقل شأناً وأكثر ضرراً)؟ لأن هذه المظاهر هي من تجليات «الفرح» و«الحزن» المذمومين، وهي تسلب الإنسان نموه الوجودي. وهنا نجد المسيحية المنحرفة التي تروج لمظاهر اللهو واللعب في الكنائس ـ من خمر وموسيقى وصور مخلة ـ لم تكن يوماً منارة لليقظة ولن تكون، بل هي مظهر من مظاهر الشيطان والغفلة.
ومن المثير للدهشة أن مفاهيم مثل «الشعور بالسعادة» و«الغم» (بمعنى الفرح والحزن القرآنيين) تُعتبر في قاموس «شبه الإنسان» كمالاً ومن أساسيات معتقداته، ثم يتعجبون لماذا يترفع «الإنسان الحقيقي» عن هذه الملوثات.
أما في قاموس الإنسان الحقيقي وفي «المدينة الفاضلة» الإسلامية، فهناك مفهومان بديلان هما: «البسط» و«القبض». في هذا المقام، لا وجود للغفلة، بل يصبح قلب الإنسان تجلياً لأسماء الله «القابض» و«الباسط». قلب المؤمن ينمو في هذا العرش الرحماني بين الأسماء الجمالية والجلالية لله. هذا الخفقان القلبي هو من مقتضيات أسماء الله، فيكون هذا الإنسان كالسروة والسنبلة، يرتفع إلى الأعلى، ولا ينظر إلى الأسفل كما تفعل «شبه الإنسان» التي تشبه البنفسج في انحنائها نحو السفوح.