ایکنا

IQNA

20:24 - August 21, 2026
رمز الخبر: 3506018

سنة ظهور الحق وزهوق الباطل

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي

سنة ظهور الحق وزهوق الباطل
قال الله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿5﴾ بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿سورة القلم: 6﴾.
 
لا تكتفي الآيتان الكريمتان بالردّ على اتهامات المشركين للرسول الأعظم(ص)، بل تكشفان عن سُنَّة ربانية جارية في الصراع بين الحق والباطل: أن الحق يظهر ولو بعد حين، والباطل لا بد أن ينكشف ويتعرّى، والحقيقة لا تبقى خافية، وإنما تكشفها الأيام والنتائج والعواقب.
 
إن من سُنن الله الجارية في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، أن أهل الباطل حين يعجزون عن مواجهة الحق بالحجة، يلجؤون إلى تشويهه وتشويه سمعة أهله، فيتهمونهم بالضلال والانحراف، ويصورون خياراتهم على أنها أخطاء قاتلة ستجرُّ عليهم وعلى مجتمعاتهم الويلات. 
 
وقد واجه رسول الله (ص) ألوانًا من الاتهامات من قبل المشركين، فكانوا يرونه قد انحرف عن دين آبائه، وخرج عن معتقداتهم وتقاليدهم، بل وصفوه بما أرادوا به إسقاط حجته والتشكيك في رسالته، وصفوه بالجنون تارة، وبالسحر تارة أخرى، وبالتقوُّل على الله مرة ثالثة. فجاءت الآيتان الكريمتان لتقولا له: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ  بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾*. ولتكشفا عن تلك السنة، سنة ظهور الحق وزهوق الباطل، ليكون الرسول (ص) واثقًا بأن المستقبل القريب يتهيَّأ ليُظهِرَ حجته، ويُبطِلَ مزاعم أعدائه، ويكشف زيفهم وضلالهم، فالآيتان تقولان له: ستبصر أنت، وسيبصرون هم، وستظهر الأيام من كان مفتونًا بالباطل، ومن كان ثابتًا على طريق الهدى.

وهنا تكمن دقة التعبير القرآني: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾. فالبصيرة هنا لا يراد منها الرؤية الحِسِّيَة، وإنما انكشاف الحقيقة بعد أن كانت محجوبة بالدعاية والتعصب والغرور. فقد يستطيع الإنسان أن يموّه الحقيقة فترة، وقد يستطيع أن يقلب الحقائق في أذهان الناس، لكن لا يستطيع أن يمنع النتائج من الظهور. فالطريق الصحيح يكشف عن نفسه بآثاره، والطريق المنحرف تكشفه عواقبه.
 
ولهذا فإنَّ الآية لا تطلب من النبي أو المؤمنين من أهل الحق، أن يستنزفوا وقتهم وطاقاتهم في إثبات أنهم ليسوا على ضلال من أمرهم أو خياراتهم، بل تضع القضية في إطار أوسع: أن يتركوا للأيام أن تقول كلمتها، فسيأتي الوقت الذي يتبين فيه أي الطريقين كان رشَدًا، وأي الخيارات كانت أقرب إلى الحق، وأيها كانت تقود أصحابها إلى الخسران.
 
وهذه سنة ربانية لا تختص بزمن الرسالة. فكثيرًا ما يُتهم أصحاب الحق في بدايات الطريق بأنهم مخطئون، وأن خياراتهم غير واقعية، وأن تمسكهم بالمبادئ سيقودهم إلى الفشل، وقد يتهمهم القريب قبل البعيد بأن خياراتهم تجلب إليهم المعاناة والمتاعب، وتتسبب لهم بالخسارات، خصوصًا عندما يحتدم الصراع مع الباطل، وتعظُم الكُلفة.

وقد يبدو الباطل في لحظة من اللحظات أكثر قوة وانتشارًا، وقد تملك منظومته أدوات التأثير والقدرة على فرض سرديتها على الناس، لكن هذه القوة ليست دليلًا على صحة الموقف، كما أن ضعف أصحاب الحق في مرحلة معينة ليس دليلًا على بطلان قضيتهم، إنما العبرة بما تكشفه السنن والنتائج والعواقب.
 
ومن هنا تأتي الآية التالية لتضع معيارًا يتجاوز أحكامنا نحن البشر فتقول: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿القلم: 7﴾. فالناس قد يختلفون في توصيف الواقع، وقد يختلط عليهم الوهم بالحقيقة، وقد يصف الضالُّ المهتديَ بأنه ضال، ويصف صاحبُ الباطل صاحبَ الحق بأنه منحرف. أما الله فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وأعلم بالمهتدين.
 
وهذا يمنح صاحب الحق الطمأنينة وصلاح البال وراحة الضمير، فليس مطلوبًا منه أن ينتصر في كل مواجهة، ولا أن يقنع كل الناس بموقفه فورًا، عليه أن يكون صادقًا مع الله، مستقيمًا في طريقه، وأن يترك للحق فرصة أن يكشف نفسه من خلال آثاره، فالأيام ليست مجرد وقت ينقضي، بل هي في واحد من وجوهها أداة من أدوات كشف الحقيقة. فكم من موقف بدا في لحظته خسارة، ثم كشفت الأيام أنه كان عين الصواب، وكم من خيار بدا لصاحبه انتصارًا، ثم كشفت عواقبه أنه كان بداية السقوط. 
 
إن الآيتين الكريمتين تمنحان المؤمنين درسًا في الثبات، تقولان لهم: إذا كنتم واثقين من صحة طريقكم وخياراتكم، فلا تسمحوا لاتهامات الخصوم والأعداء أن تهزَّ يقينكم، ولا تستنزفوا طاقاتكم في الانشغال بترَّهاتهم والرد على أكاذيبهم، بل صحِّحوا أنتم ما يحتاج إلى تصحيح، وأقيموا الحجة حيث يجب، ثم دعوا عملكم وصدقكم والنتائج أن تتحدث عنكم، وتشهد لكم.
 
captcha