ونحن نترقب مهرجان النجف الاشرف عاصمة الثقافة الاسلامية يغمرنا الفرح والسرور للاهتمام بهذا الصرح الخالد من قبل المخلصين الذين يبحثون عن اعطاء كل ذي حق حقه وبمعنى أخر وضع النقاط على الحروف.
ومن اولى النقاط التي تعاني منها هذه العاصمة السابقة اللاحقة هي تهميش واقصى المفكرين الاسلاميين، حيث يمر بعض الباحثين مرور الكرام على ترجمة سيرهم وبعض الاحيان لايسلطون الاضواء على نقاط مهمة من سيرتهم الغراء، فيعتبرونهم مجرد علماء كان بروزهم في وقت معين وتلاشى برحيلهم.
وهذه الفكرة من الافكار الجامدة التي لاتدلل على ارتقاء مستوى تفكير الباحث أو المؤرخ أو المثقف، فاننا اليوم بحاجه ماسة لتطبيق مؤلفات واصدارات العلماء الفطاحل على واقعنا المعاصر في شتى المجالات ومنها الثقافية.
وفي كتابتنا المختصرة عن المفكر الاسلامي العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي (قدس سره) سنبتعد قدر الامكان عن الكتابة الكلاسيكية او بالاحرى نبتعد عن ما ذكره الكتاب سابقاً.
فالحديث اليوم عن هذا العالم المفكر الاسلامي المجاهد الاديب الشاعر الزاهد الورع يحتاج الى مجلدات، كونه يعد الرائد الاول في شتى المجالات .. فهو موسوعه علمية وادبية ثقافية ناهيك عن الاسلوب الابداعي الذي تحول الى منهج رائج في العصور اللاحقة.
لذلك سنحاول كتابة ما تجود به اليد من سيرته النسبية مع الاشارة الى بعض مؤلفاته التي تعتبر منهجاً تجديدياً في تاريخ الحوزة العلمية.
وينحدر المفكر الاسلامي الشيخ محمد جواد البلاغي من قبيلة ربيعة وولد في رجب عام 1282هـ 1865 م) ونشأ وتوفي في شهر شعبان 1352ه ـ 1933 م في النجف الاشرف.
بعد أن أكمل دراسته في النجف الاشرف على يد جهابذة العلماء، انتقل الى سامراء عام 1326 هـ لاكمال طلب العلم على يد الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره)، فمكث عشر سنوات هناك ، ثم انتقل الى مدينة الكاظمية المقدسة، فاقام بها سنتين وبعدها عاد إلى النجف الأشرف الى أن وافاه الاجل المحتوم ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شعبان.
وجميع المؤلفات المتنوعة للشيخ البلاغي كانت ذا بحث عميق وأسلوب رصين وبيان واضح يلاحظ بين طياته ابتكار المنهج والاسلوب ونتيجة اتباعه اسلوباً علمياً نوعياً أصبحت انتاجاته منهجاً، فكانت اكبر رفد ثقافي في النجف الاشرف والعالم الاسلامي وغير الاسلامي، لذلك يعد الشيخ البلاغي من الرواد الأوائل في مجال نقد الأديان في العصر الحديث ويأتي نقده على الاشخاص الذين حرفوا الكتب السماوية للاديان غير الاسلامية.
واعتمد في نقده على الاسلوب العلمي الذي يثبت فيه كيف أن مفكري الحركات التبشيرية يعتنقون أفكاراً هدامةً واوضح الشيخ الابعاد الخطيرة للحركات الصهيونية والتبشيرية وانها بمعزل عن ديانتها لكنها تستخدم الديانه كغطاء لاهداف الحركة.
وهذا المفكر الاسلامي صاحب مدرسة في التجديد فكانت له الأيادي البيضاء والفضل العظيم على الأمة الإسلامية بما كتب وألف في الرد على اليهود والنصارى وأهل الملل وله مجاهدات كثيرة في إعلاء كلمة الإسلام.
ولم تقتصر إسهاماته في الرد على أهل الكتاب، بل تصدى للفرق المنحرفة والهدامة كالقاديانية والبابية والوهابية والإلحادية.
ومن مبتكراته أيضاً الرسائل التي كتبها حول بعض القواعد الفقهية ومع أن السمة المميزة لهذه الرسالة هي الإيجاز ألا أنها في الوقت نفسه جامعة لكل الجوانب وتتميز بالأبحاث والتحقيقات.
وأما كتابه (الرحلة المدرسية) كان اسلوب كتابته وطريقته فيه ابتكار نوعي، فعندما يقرأ الاديب مع نفسه يجد مناظرةً وحواراً ومحاورةً، فيرى الخروج من الرواية الى المعنى الادبي ثم الى المحاورة العقائدية بشكل رائع مستخدماً التوراة والانجيل والرد من القرآن الكريم موضحاً: اجابة الاستفسارات في رده على الافترائات والمغالطات وهذا مختصر عن مؤلفاته القيمة التي راجت رواجاً منقطع النظير.
مع علمه الجليل كان الشيخ محمد جواد من اساتذة الادب واحد فحول الشعراء وقد سخر الموهبة الشعرية في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) واستهدف في شعره العذب رثاء العلماء الاجلاء والدفاع عن الرأي العلمي واوضح عن الطريق الشعر الفكرة الفلسفية وشرح العقيدة.
وفي نظم الشعر تجد التناغم المصحوب بتدفق العواطف الوجدانية والمشاعر الانسانية حتى يتأمل القارىء الحالة الروحية لهذا النظم الرائع والباقات العطرة في الحديقة الشعرية لهذا النابغة.
وبعد أن قضى سبعين عاماً من عمره بين ثنايا الجهاد العلمي والمسلح توفي وأعلن الحداد العام في النجف الاشرف وتم تشيعه تشيعاً مهيباً فعطلت الحوزة العلمية والاسواق لمدة ثلاثة ايام وقد دفن بجوار المرقد الطاهر لقائد الغر المحجلين الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام).
بقلم: بقلم مجاهد منعثر منشد
المصدر: وكالة أنباء براثا