أحداث تركيا، درس للإدارة الحضرية
المجتمع/ المدينة – الدكتور فردين عليخواه
خلال الأيام الماضية وجدنا وسائل الإعلام تنشر أخباراً مختلفة عن احتجاجات الشباب ونشطاء المجتمع المدني بمدينة إسطنبول الجميلة. ويعتقد كاتب هذه السطور وهو الباحث والمدرّس في حقل تقييم الآثار الاجتماعية للمشاريع الحضرية، أن هذه الاحتجاجات تحظي بأهمية بالغة، سيما أن القضية المختلف عليها في هذه المدينة هي نفس القضية التي تشهدها مدن كثيرة في العالم خاصة في الدول النامية. في البداية سأتناول القضية بإيجاز – طبعاً في مستهل الأحداث -:
في شهر مايو للسنة الميلادية الحالية، بدأت بلدية إسطنبول بتنفيذ مشروع يقضي بإعادة بناء ثكنة للجيش العثماني كانت قد هدمت عام 1940، وتشييد مركز تجاري كبير بجانبه. والهدف من المشروع هو خفض الكثافة المرورية في الشوارع المحيطة بساحة « تقسيم » (Taksim Square) المعروفة، وتحسين صورة المدينة، ناهيك عن هدف غير معلن وهو الحصول علي مصدر دخل جديد للبلدية. وكانت المشكلة هي أن المشروع الحضري المذكور سيتم تشييده داخل حديقة عامة صغيرة تسمي « تقسيم غيزي » (Taksim Gezi) بمنطقة بيوغلو (Beyoglu district) لمدينة إسطنبول، ولا مناص من قطع عدد من أشجارها. وبما أن ساحة تقسيم ( التي تشبه ساحة ولي العصر بطهران ) ومحيطها منطقة مرور للمواطنين والسياح، فالأنظار تتجه إليها عادة وهي تعتبر قلب مدينة إسطنبول. ومن هنا انطلق توجيه الانتقادات إلي المشروع بحجة أنه سيضفي طابعاً باهتاً علي المنطقة، وسيقلل من رغبة محبي الطبيعة والتمشي جراء كونه مركزاً تجارياً وسط حديقة عامة، وهو يتعارض مع وعود المسؤولين بالعمل علي إنشاء مدينة خضراء. وإثر بدء أعمال البناء وخاصة قطع الأشجار، دخلت ردود فعل منظمات المجتمع المدني الداعمة للبيئة مرحلة التنفيذ، حيث تجمع 50 من أعضائها داخل الحديقة. وبما أن وسائل الإعلام نشرت ومازالت تنشر بقية الأحداث وكذلك ارتفاع سقف مطالب المحتجين، فلا حاجة إلي إعادة ذكرها.
تقييم الآثار الاجتماعية – الذي اصطلح علي تسميته في إيران بالملحق الاجتماعي و الثقافي – هو في الحقيقة تقييم لتبعات وتداعيات كافة السياسات والقرارات والمشاريع التنموية. من الواضح أن مفردة « الإجتماعية » في سياق تقييم الآثار، تدل علي أن موضوع الدراسة هو المجتمع والشعب. في الحقيقة إن الهدف الرئيسي في تقييم الآثار الاجتماعية هو دراسة الإمكانيات الاجتماعية لقبول المشاريع الحضرية، ومناقشة أسباب ضعف أو قوة هذه الإمكانيات، وفي نهاية المطاف تقديم آليات علمية لتعزيز « القبول الاجتماعي » للمشاريع الحضرية. يذكر أن خبراء تقييم المجتمع يأخذون دوماً في الاعتبار، مقترح عدم تنفيذ المشاريع (No-Action Alternative) الحضرية بسبب تبعاتها السلبية الشديدة وظهور الصراعات الاجتماعية. يعتبر التنبؤ بالتداعيات الطارئة وغير المتوقعة علي المسؤلين، أهم ميزة تحظي بها عملية تقييم الآثار الاجتماعية قبل الشروع في تنفيذ مشروع ما، فمن الواضح أن مواجهة التداعيات غير المتوقعة، تسبب دوماً مخاطر كثيرة لصناع القرار والمنفذين، وتحمّلهم تكاليف باهظة، وأكثر من ذلك قد تعرّض النظام السياسي بأكمله للخطر، وهذا ما تشهده تركيا بالضبط. هذه المخاطر بالضبط هي التي دفعت البنك الدولي بإلزام استخدام علماء الاجتماع وإنجاز دراسات اجتماعية في جميع المشاريع التي يمولها بمختلف بلدان العالم، وذلك لأن اندلاع احتجاجات ضد هذه المشاريع من شأنه أن يشوه صورة البنك الدولي. وفي الدول النامية شهدنا عدة مشاريع حضرية تم تصميمها علي يد كبار المدراء إلا أن رؤساء البلديات طلبوا مهلة بعدة سنوات بغية خلق الأرضية الفكرية لدي الناس لقبول المشاريع.
جاءت الاحتجاجات في تركيا لتؤكد من جديد ضرورة أخذ الناس ومجمتع الهدف في الاعتبار لدي تصميم المشاريع الحضرية. وتدل هذه الاحتجاجات علي أن إهمال الدراسات الاجتماعية، وعدم استشارة علماء الاجتماع في المشاريع الحضرية، والبخل في إنفاق ضئيل علي مثل هذه الدراسات قبل تنفيذ المشاريع، والتسرع المعروف لدي مدراء المدن لتدشين المشاريع مهما كان الثمن واستغلالها إعلامياً، وسيادة الرؤية الهندسية البحتة إزاء المشاريع الحضرية، وأخيراً رمي التقارير الاجتماعية في سلة المهملات، ستحمّلهم تبعات وتكاليف باهظة الثمن. أرجو أن تكون أحداث تركيا في هذه الأيام درساً يتعلم منه مدراء المدن.