ایکنا

IQNA

المستشار الثقافي الايراني لدى لبنان:
17:55 - May 09, 2020
رمز الخبر: 3476516
بيروت ـ إکنا: أكد المستشار الثقافي الايراني لدى لبنان، "الدكتور عباس خامه يار" أن فيروس كورونا أظهر أن العالم أصغر من قرية بكثير، وبطبيعة الحال، أكثر ضعفاً مما كان يُعتقد سابقاً. إذا كان كورونا إرهابًا بيولوجيًا للدولة، فإن آثاره العالمية الضارة ستمنع مثل هذه الحروب في المستقبل.

ونظمت المستشارية الثقافية الايرانية لدى لبنان بالتعاون مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا)، ندوتها الفكرية الرابعة التي أقيمت ضمن سلسلة "جدليات كورونية" عبر الفضاء الافتراضي تحت عنوان "كورونا؛ القرية الكونية والقرآنية الآمنة" (مقاربة فكرية حول مفهوم القرية الآمنة بعد تصدع مفهوم القرية الكونية ونظريات نهاية التأريخ وصدام الحضارات إثر التداعيات التي ولدتها جائحة كورونا).

وأقيمت الندوة عصر أمس الجمعة 8 مايو / أيار الجاري عبر تطبيق Zoom Cloud Meeting، وشارك في النسخة الرابعة من الندوة كلّ من: الكاتب والباحث المغربي الدكتور ادريس هاني للحديث عن "كورونا ومصير القرية الكونية العالمية ـ نهاية التأريخ وصدام الحضارات؛ ما الذي يغير ـ"، والأستاذ في الحوزة العلمية في قم المقدسة للتطرّق إلى "أزمة الهوية العالمية في ظل جائحة كورونا وسقوط نظريات المدارس الوضعية"، وعضو المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى ورئيس جمعية الفتوى الاسلامية في لبنان الشيخ الدكتور "زياد عبد الصاحب" الذي تحدّث عن "القرية الآمنة وشريعة رب العالمين"، بالإضافة إلى الباحث الاسلامي والأستاذ الجامعي الشيخ الدكتور "محمد شقير" متكلّماً عن "إنهيار القرية الكونية والطريق الثالث".
 
وفي بداية الندوة، ألقى المستشار الثقافي الايراني لدى لبنان "الدكتور عباس خامه يار" محاضرته بعنوان "كورونا؛ العولمة والقرية الكونية" جاء فيها:

"بسم ‌الله الرحمن الرحيم

منذ الأيام الأولى لوصول الضيف غير المرغوب به ، غردتُ بأن "تبعات جائحة كورونا العالمية وعدم قدرة العالم على إدارتها ستستمر مع عواقب وخيمة على الاقتصاد والعلوم والثقافة والبيئة وأسلوب الحياة وحتى مستقبل الفكر البشري". "وواصلت القول إنّ "كوكبنا سيكون مختلفًا بشكل واضح ما قبل وبعد كورونا."

 ولكن اليوم، بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على انتشاره، لم يكن بوسع أحد أن يتخيل أن عواقبه الجَمّة ستكون سريعة وساحقة لدرجة أن العالم الغربي المليئ بالمطالبات سوف يكون عرضةً بشكلٍ ساحقٍ إلى هذا الحد! لقد اكتشف كل من المُنظّرين والباحثين هذه الظاهرة من زاوية، ولكن المهم هو تأثير كورونا على النظام النيوليبرالي وعولمته وتمزق القناع عن الوجه الحقيقي لهذه المدرسة الفكرية وما يُسمّى بالنظام الدولي الحديث، و القرية الكونية المعبّر عنها بمصطلح العولمة.
 
وأكثر من أي شيء آخر، تمكنت كورونا من ضرب ما يسمّى بالحضارة الناشئة و الحديثة، و استهدافها بدقةٍ وبقوة استثنائية وذكاء هائل و إبداع مبتكر. أعاد هذا الحدث إلى السطح، نظريات "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لفرانسيس فوكوياما و "صراع الحضارات" الذي ألقاه صموئيل هنتنغتون، وهو نظرة غربية استعلائية علی البشرية جمعاء، ونتيجة لانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 و الشغف الذي حصل بعد ذلك. لقد شوهت مفاهيم مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، و التكنولوجية المتفوقة التي بَنى الغرب ادعاءاته عليها، وكشفت المفاهيم غير الواقعية لهذه المدارس ورؤيتها الخادعة للإنسان و عرضتها بشكل مخز جداً.

ولقد ضربت كورونا عمق القاعدة الفولاذية علی ما يبدو والهيكل الفكري والسياسي والاقتصادي والمالي للقرية العالمية بطريقة تستغرق الكثير، للعودة إلى وضعها الأصلي.
 
وكشفت حرب كورونا العالمية عن ضعف نظام العولمة والاحتكار النيوليبرالي والمؤسسات التابعة له، في كافة المجالات و منها الصحة والعلاج والخدمات، و فضحت أخلاقياتها، و وحشيّتها، و عدم تقيّد وكلائها في مختلف الأبعاد، و درجة الحقد التاريخي و الخبث و العنصرية وتفوقها على نظرائها،و لقد استطاعت الكشف عن مدی الفراغ في الهياكل والمنظمات والمؤسسات الرسمية الدولية الرفيعة المستوى وتمزيق القناع عن وجوههم الزائفة. 

وأظهر هذا الوباء وجود مرضٍ متجذّرٍ في النسيج العقلي وخللٍ عميقٍ في النظام الرأسمالي اللاإنساني ، وهو أكثر خطورة ورعباً بكثير من فيروس الكورونا نفسه. على غرار قطيع من الأغنام الذي وضَعه الغربيون في جدول أعمالهم لمرضى القلب المصابين بكورونا ، و لكي ينتشر الفيروس إلى معظم الناس في المجتمع ، و يتم إرسال المسنين الذين لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج والذين يعتبرون عبئًا على المجتمع، إلى القبور؛ حتی يبقی الأصغر سناً والأكثر قدرة، على قيد الحياة و ينجو من المرض و يحصل لديهم المناعة، لكي يكونوا قادرين على تحريك العجلة الاقتصادية الرأسمالية؛ فماذا يعني هذا ؟ غير أنه يكون قانون الغابات و قانوناً ضد البشرية في صراع البقاء الحديث من وجهة نظر داروين؟ وهو معروض أيضًا بأبشع صوَره اليوم. و أظهر الداروينية الاجتماعية الحديثة التي تُذكّرنا بأيديولوجية هتلر العنصرية و قتله للمتخلفين عقليًا و إبادته للطبقات الاجتماعية وغير المنتجة في المجتمع بوحشية. وهذه المشاهد تذكّرنا بالسياسات التي يُسمّيها فوكو "إدارة الموت". المشاهد التي تستعرض أمام أعيننا كل يوم، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه بأقبح وجه.

وأظهر كورونا أن العالم أصغر من قرية بكثير، وبطبيعة الحال، أكثر ضعفاً مما كان يُعتقد سابقاً. إذا كان كورونا إرهابًا بيولوجيًا للدولة، فإن آثاره العالمية الضارة ستمنع مثل هذه الحروب في المستقبل، بمعنىً آخر، سوف يكون نوعاً من الترياق. في مواجهة هذا المرض المنتشر وعدم القدرة على محاربته بشكل مستمر، يجب أن تكون هناك عودة جادة للفلاسفة. من أجل أن تستعيد الكتب حكمتها ورزانتها وأن تتخلّص من الحجر الصحي في كهوفها الحديثة، باسكال وفلسفته الروحية عن القدرة المحدودة للعقل بالمقارنة مع اتساع وانتشار مساحة الإيمان، أيضاً. نعم فعلا! يجب العودة إلى الفلاسفة الوجوديين مثل سورين كيركيغارد، الذين رأوا العقل، أقل شأناً من الإيمان ودعوا إلى "القفزة الإيمانية"، الإيمان الذي لم يستطع العقل التغلب عليه أبداً.

 إنّ ما يحدث اليوم هو النتيجة الطبيعية للعولمة والنظام الرأسمالي المتمرد والحداثة، التي يفتقر إلى القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية. لا تزال كورونا في مهدها، والآن تم إزالة أقنعة النفاق عن مؤسسي ومديري الحداثة الجامحة واحداً تلو الآخر، وتم عرض وجوههم الحقيقية والمُرعبة. يبدو أننا في خضم ولادة عالم جديد. هذا العالم ليس عالم "رعاة البقر" الذي يفرض إرادته على الآخرين بإطلاق النار، ولا العالم الذي تمتلك فيه القوى المهيمنة السيطرة وحدها، ولا العالم الذي يمكن فيه إنكار التراث الإنساني. هذا "العالم الجديد" هو نتاج حرب صعبة وغير متكافئة مع عدو مجهول سيضرب دون أن يُرى، وسيجبر "إمبراطورية الهيمنة" و قريتها الكونية على الاستسلام.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى الإيمان الرومانسي لهذه المجموعة من الفلاسفة، مثل كيرك جارد، وبيركسون، وشلايرماخر، الذين اعتقدوا أنّ الحياة البشرية فارغة في غياب الإيمان. ما معنى وأهمية الحياة التي يعبدها العقل ولا يميل إلا إلى العلم ولا يری للروح دوراً في اكتشاف سر الوجود ؟! فيجب علی المفكرين أن ينهضوا بوجه عبثية ما يحدث بناء علی فلسفة ميشيل فوكو حول تفوق "الحرية" على "الصحة"؛ الحرية التي ارتكبت الغرب ما ارتكبت من جرائم باسمها، أو حربًا مدمرة فرضتها على الأمم، أو أراقت دماءً و جرت أنهاراً منها!!! السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: ما قيمة الحرية وما تأتي بها ومفهومها،عندما يتم دفع أفواج الناس إلى حُفر المقابر، أو يتركون في جانب الأرصفة وشوارع في واشنطن وروما و باريس ليموتوا؟ و هم محرومون من الحد الأدنى من الخدمات الصحية و العلاجية و الكرامة الإنسانية أيضاً ؟!

إنّ ما يحدث اليوم هو النتيجة الطبيعية للعولمة والنظام الرأسمالي المتمرد و الحداثة، الذي يفتقر إلى القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية. لا تزال كورونا في مهدها، والآن تم إزالة أقنعة النفاق من مؤسسي ومديري الحداثة الجامحة واحدة تلو الأخرى، وتم عرض وجوههم الحقيقية والمُرعبة. يبدو أننا في خضم ولادة عالم جديد. هذا العالم ليس عالم "رعاة البقر " الذي يفرض إرادته على الآخرين بإطلاق النار، ولا العالم الذي تمتلك فيه القوى المهيمنة السيطرة وحدها، ولا العالم الذي يمكن فيه إنكار التراث الإنساني. هذا "العالم الجديد" هو نتاج حرب صعبة وغير متكافئة مع عدو مجهول سيضرب دون أن يُرى، وسيجبر "إمبراطورية الهيمنة" و قريتها الكونية على الاستسلام.

واليوم أكثر من أيّ وقت مضی نحتاج إلی الإيمان بالقرية الآمنة التي أشار القرآن الكريم إليها: «وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ» و لا نكون من الذين كفروا بأنعم الله كما عبّر عنهم القرآن: فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ".
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
* captcha: