ويظهر أن سلبية إستعمال الفرح إنما هو بحسب الموضوع الذي يفرح صاحبه به، وإيجابيته أيضاً بحسب الموضوع الذي يفرح صاحبه به، وبلغة علمية سلبية الفرح وإيجابيته بحسب متعلقه.
أ – من موضوعات الفرح الايجابية في القرآن:
1 – الفرح بعد الفوز بالشهادة في سبيل الله: قال الله المتعال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١).
2 – الفرح بنزول القرآن المجيد: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦).
3 ـ الفرح بنصر الله: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ الم (١)غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)} .
4 – الفرح بفضل الله ورحمته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨).
ب ـ من موضوعات الفرح السلبية:
1 – الفرح بتجميع الثروة للاستكبار ولاغراض غير مستقيمة: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧).
أي لا تفرح بثروة لن تستخدمها بالطريقة المستقيمة وستكون وبالاً عليك، ولو أنه أقر بفضل الله عليه بتجميع الثروة ونوى صادقاً استخدامها بطريقة مستقيمة لكان فرحه مما لاضير فيه، ولكنه أنكر نعمة الله عليه أولاً، وكان مستكبراً بالإستناد إلى ثروته ثانياً، ولم تكن ثروته وسيلة للخير ثالثاً، فكان نصيبه الخسف.
2 ـ الفرح شماتة بالمؤمنين: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.
3 ـ الفرح بتوهم نجاح عملية التزوير والنفاق والكذب: قال الله المتعال: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨).
فقد ورد في أسباب نزول هذه الاية أقوال عدة منها أن بعض اليهود كانوا يفرحون بتحريف وكتمان حقائق التوراة وقدرتهم على جعل هذا الفعل المنكر منطلياً على الناس، وكانوا يحبون مدح الناس لهم باعتبارهم أرباباً للعلم.
ومنها إن أهل النفاق عندما كان يخرج المجاهدون إلى الجهاد كانوا يتعللون ويختلقون الأعذار الواهية، وعندما يرجع المجاهدون كانوا يحبون المدح على نسبتهم للإيمان الظاهري وعلى ما لم يفعلوه من أفعال المجاهدين الصادقين.
وهذا الفرح مذموم لأنه فرح بما هو غير واقعي وبما هو موهوم.
4 ـ الفرح بالنعم الإمتحانية الإستدراجية الموصلة إلى ما لا تحمد عقباه ما لم تتم عملية التغيير.
قال الله المتعال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤).
5 – الفرح من قبل المنافقين بالبلاءات التي يتعرض لها المؤمنون باعتقاد أن نجاتهم من هذه البلاءات بسبب إحتياطاتهم وحساباتهم وهم بالواقع من الخاسرين في نهاية المطاف. قال الله المتعال: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠).
6 – الفرح بالتخلف عن الجهاد مع الرسول الاعظم ( ص) في غزوة تبوك بتبريرات واهية كالحر الشديد . قال الله المتعال : { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢).
7 – الفرح بالإستجمام والنعم مع الغفلة عن وجود الله المتعال وعدم الايمان به وعدم الشكر له. قال الله المتعال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢).
8 – الفرح بطرا باعتقاد أنه لا شيء بعد الفرح والبطر، وان السوء لن يعود اليهم. قال الله المتعال: { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).
9 – الفرح بالدنيا الزائلة التي هي هدف لهؤلاء دون الدنيا التي هي وسيلة للاخرة. فهناك فارق بين الفرح في الدنيا والفرح بالدنيا. قال الله المتعال: { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}.
10 – الفرح بالعصبية الحزبية الباطلة الضآلة. إذ أن الله المتعال مدح في القرآن حزب الله بصفاتهم الخاصة وذم الاحزاب المتفرقة. قال الله المتعال: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)}.
11 – الفرح بالهدايا المؤقتة التي تستخدم لصرف الناس عن حق يريدونه وعدل ينشدونه. وذلك إنهم كانوا يفرحون بالهدية لأنها تزيد من مالهم من جهة، ولأنها موجبة لأمر معنوي فخري من جهة اخرى ، ولأمور أخرى. وهذا الفرح المذموم بالهدية إنما هو لمناسبة قصة سليمان ( ع) وبلقيس، وليس لإستحباب التهادي مدخلية بهذه المناسبة، اذ ان سليمان ( ع) كان يدعوهم إلى الحق وهم أرادوا صرفه عن عزمه هذا من خلال الهدية، فارجع هديتهم. قال الله المتعال حكاية عن سليمان عليه السلام: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}.
12 – الفرح في الأرض بالبطر والخيلاء واستخدام النعم بغير ما أحل الله المتعال. قال الله المتعال: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣).
13 – الفرح بالنعم فقط والجزع بغير النعم. قال الله المتعال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨).
14 – الفرح بعلم غير نافع وغير مقرون بالهداية وهو بعد علم مضاد لدعوة الأنبياء والرسل، وربما يكون علماً موهوماً أو علماً بالشؤون الدنيوية الموحي لصاحبه بأنه من أهل الاستغناء عن دعوة الانبياء والرسل. قال الله المتعال : {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤).
15 – الفرح بالباطل والمعاصي. وقيل المراد بذلك الشرك ونفي المعاد، والصحيح الأعم من ذلك فيشمل كل فرح بالباطل والحرام. قال الله المتعال: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦).
ويظهر من استعمالات القرآن بالأعم الاغلب إن لفظ السرور هو الصق بالسعادة والإيجاب وهو أبعد عن استعماله بالمعنى السلبي كما يظه من ارباب اللغة.
فقد قال الله المتعال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ☆ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا *وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا}.
وقال الله المتعال في وصف أهل البيت(عليهم صلوات ربي وسلامه): {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا}.
ان الفرح هو الأصل والحزن هو استثناء، ولكن الفرح تارة يكون مؤقتاًَ وأخرى يكون دائماً، وتارةً ثانيةً يكون فرحاً بالحقائق وأخرى بالموهومات.
إن الفرح الذي يكون اصيلاً هو الفرح الدائم من جهة، والفرح بالحقائق الوجودية من جهة اخرى دون الموهومات ، كما أنه من جهة ثالثة ينبغي أن يكون فرحاً بالحق لا بالباطل.
فلتفرح بالحلال كيفما شئت وإنى شئت، ولتفرح بإنجازاتك، ولتفرح بكل ما أردت ولكن إياك ونسيان عواقب الأمور من جهة، وإياك أن يجرك فرحك إلى المعصية من جهة أخرى.
ومن خلال التدبر بالايات المتقدمة نلاحظ كيف تحدثت الآيات القرآنية عن الفرح السلبي الذي يكون مؤقتاً نظير قول الله المتعال حكاية عن بعض قوم قارون: {إذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين}. فهو قد فرح بثروة مؤقتة آيلة الزوال والاضمحلال ولا تنفع في ظل النظام الأخروي، بل إنها لا تنفع حتى في ظل النظام الدنيوي اذا تعرض صاحبها لخطر لا منجى له ولا عاصم إلا الله.
بينما تحدث الله المتعال عن فرح الشهداء الدائم بوصفه غير مؤقت. فقال الله المتعال: {فرحين بما أتاهم الله من فضله}. فهذا الفضل دائم وهو يستحق الفرح الحقيقي.
إن الفرح ينبغي أن يكون بالحقائق الوجودية، ففرح الإنسان بوجود الحقيقة الآلهية هو أعظم فرح في الوجود، وفرح الانسان بالحقيقة الولائية لمحمد وآل محمد(عليهم صلوات ربي وسلامه) هو أعظم فرح، وهكذا فرحه بحقيقة الحرية وحقيقة العزة وحقيقة العلم وحقيقة سيادة وإستقلال وطنه وأمته.
واذا ما قمنا بجولة بحثية تحقيقية على طريقة هدهد سليمان ( ع) حول فرح الشعوب وأعيادها فإننا نجدها تفرح بانجازاتها العلمية والتخصصية والاختراعية وبأيام مجدائها وشهدائها ونجدائها وتحررها واستقلالها.
الله المتعال مدح الفرح بالحقائق الوجودية حينما قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
إن القرآن دعانا إلى الفرح بالحقيقة القرآنية التي تتميز بحسب هذه الآية باربع مميزات ينبغي الفرح بها:
الاولى: الفرح بالموعظة: {يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم}. اي هذا القرآن هو خير موعظة.
والموعظة هي النهي الممتزج بالتهديد أو التذكير بالنعم الالهية الممتزجة بالرقة والترغيب، وهي تؤثر في القلب المستعد واذا كانت له ارضية خصبة والا فالارض الملحية تنبذ البذور.
الثانية: الفرح بالشفاء: {وشفاء لما في الصدور}. فكما ان البدن يحتاج الى شفاء اذا ما دهمه المرض فإن القلوب تحتاج الى الشفاء ايضاً، والقرآن هو خير سبيل لعلاج امراض القلوب.
الثالثة: الفرح بالهداية: {وهدى} . إذ اي رحمة وأي نعمة واي خير موجب لفرح الانسان افضل من نعمة الهداية الموصلة الى الجنة والسعادة الدائمة. انه هذا القرآن الذي جعله الله المتعال لنا كتاباً للهداية بمعنييها الخاص والعام.
وأي فرح هو هذا الفرح اذا خسر الانسان الهداية وربح كل شيء مع الضلالة؟!
ان احدنا اذا فقد شيئاً يهمه فإن الفرحة بوجادتها لا يصفها الواصفون، وبالهداية يجد الانسان نفسه فأي فرح بوجادة شيء اعظم من وجادة الانسان لنفسه بالهداية؟! فينبغي شكر الله المتعال الدائم على هذا القرآن الذي يتكفل بهدايتنا.
الرابعة : الفرح بالرحمة الالهية: {ورحمة للمؤمنين}.
فالفرح بالرحمة الالهية هو من الافراح الحقيقية التي ينبغي على الانسان ان يحمد الله المتعال عليها.
ومما لا ريب فيه فإن القرآن رحمة الهية عظمى ينبغي ان نفرح بوجودها، ثم بعد ذلك يخاطب الله المتعال رسوله الاعظم صلى الله عليه واله وسلم بقوله : {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
نعم فليفرحوا بهذا القرآن، وليفرحوا بفضل الله المتعال ورحمته.
وهناك أقوال في بيان معنى الفضل والرحمة منها:
– الفضل هو النبوة والرحمة محمد( ص).
– الفضل هو النبوة المحمدية لانها الابتداء والرحمة هي الامامة العلوية لانها الاستمرار.
– الفضل هو الجنة والرحمة هي العفو والمغفرة.
– الفضل هو النعم الالهية العامة لكل البشر والرحمة هي النعم الالهية الخاصة بالمؤمنين.
– الفضل هو الايمان والرحمة هو القرآن.
– الفضل الالهي هو بداية النعمة والرحمة هي دوام النعمة.
– الفضل هو النعم الظاهرية والرحمة هي النعم الباطنية.
– الفضل هو النعم المادية والرحمة هي النعم المعنوية.
وكل هذه الاقوال تتحملها كل من عبارة الفضل وعبارة الرحمة.
والانسان السوي يفرح بفضل الله ورحمته بجميع هذه الاوجه، فيفرح بحقيقة النبوة المحمدية، وبحقيقة الولاية العلوية وولاية أهل البيت ( ع) وسائر الائمة المعصومين المطهرين(ع) ، ويفرح بالنعم الالهية المادية والمعنوية، وبنعمه الظاهرية والباطنية، ويفرح بالايمان والتدين، ويفرح برحمته العامة ورحمته الخاصة، ويفرح بحقيقة الجنة وحقيقة العفو والغفران ، ويفرح ببدايات النعم وباستمرارها.
وهكذا يفرح بكل الحقائق الالهية، ويفرح بكل النعم التي تخوله اتخاذها وسيلة لكماله وولوجه الجنة.
ها هنا حقيقة الفرح، الفرح بالقرآن المجيد الذي هو كتاب موعظة، وكتاب شفاء، وكتاب هداية، وكتاب رحمة.
ان على الحكام ان يفرحوا لامن ورفاه وتعليم وصحة الناس اكثر من فرحهم بمناصبهم، وان على الاستاذ والمعلم والمربي أن يفرح بنجاحه في رسالته التعليمية والتربوية اكثر من فرحه براتبه وجوائزه، وان على عالم الدين ان يفرح لهداية الناس وارجاع آبقهم اكثر من فرحه بعلو منزلته وباعتلاء منبره، وان على رب الاسرة ان يفرح لعبادات عائلته وصلاتهم وتلاوتهم للقران وصدقاتهم وحسن اخلاقهم كفرحه بشهاداتهم وانجازاتهم ومراتبهم الدنيوية.
ان على سائر البشرية أن تجعل لها يوماً عالمياً للفرح ولكن بالحقائق والقيم السامية،ونأمل ان نصل الى يوم نصبح ونمسي فيه على يوم عالمي وجودي للفرح بيوم الغدير عنوانه: "يوم الفرح العالمي بولاية محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.
الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات القرآنية "الشيخ توفيق حسن علوية"