ایکنا

IQNA

الأمة الخائنة والفساد في الأرض من منظور القرآن

11:13 - May 06, 2023
رمز الخبر: 3490998
بيروت ـ إکنا: الآيات تبدأ في سورة "الأنفال" المبارکة بتعريف أهل الإيمان، ثم تتابع الخطاب الإيماني، وعظاً وإرشاداً وهدايةً، على نحو يفهم منه أن الخيانة إنما تكون بالاستجابة للطاغوت وأهل الضلالة والإفساد.

الأمة الخائنة والفساد في الأرض من منظور القرآنوكتب "فرح موسى" في جواب مَن سأله عن مسؤولية الأمة في صناعة الفساد والمفسدين، فكان الجواب أن الأمة، أي أمة، بما هي جماعة تدين بدين أو يجمعها الزمان والمكان،كما جاء في تعريف الراغب الأصفهاني في مفرداته هي التي تنتج رؤيتها للحياة وفق ما تدين به من تعاليم وقوانين، وهي التي تصنع طغاتها وأهل الفساد فيها بدلالة أن فرعون أو نمرود أو هتلر أو غيرهم،لم يكونوا نتاج فراغ أو صدفة، بل صنعهم وأنتجهم جهل الناس والاستخفاف،كما قال تعالى عن فرعون:"واستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين".

وتأسيساً على ما تقدم يمكن لأي باحث في العلوم القرآنية أن يلحظ هذه الحقيقة من خلال تدبره في الخطاب القرآني للذين آمنوا وخصوصاً في سورة الأنفال حيث نجد التكثيف القرآني في خطاب المؤمنين لإرشادهم وهدايتهم الى ما ينبغي أن يكونوا عليه من القول والفعل حتى لا يكونوا أمة خائنة لله ورسوله.

فالآيات تبدأ في سورة الأنفال بتعريف أهل الإيمان، ثم تتابع الخطاب الإيماني، وعظاً وإرشاداً وهدايةً، على نحو يفهم منه أن الخيانة إنما تكون بالاستجابة للطاغوت وأهل الضلالة والإفساد، إذ لا تخلو أمة من رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ولهذا جاءت الآيات لتدعو الأمة الى أن تكون على طاعة حقيقية لله تعالى.

كما يظهر لنا من بداية السورة أنها تدعو الى التقوى وإصلاح ذات البين، وهكذا نجد أن الخطاب القرآني يتوالى لأهل الإيمان حتى يكونوا على بينة من أمر ربهم، فيطعوا الله ورسوله، ويستجيبوا لله وللرسول اذا دعاهم لما يحييهم، وإلا فما هو سر أن يأتي ذكر الخيانة لله والرسول والأمانة في سياق هذه السورة من خلال تحشيد مذهل للآيات بخطاب "يا أيها الذين آمنوا"، ولعلنا لا نخطئ القول إن هذا التحشيد والتكثيف في الخطاب ناظر الى حقيقة أن الأمة إن لم تكن مجسدة لهذا الخطاب ومتحققة به، فهي حتماً أمة خائنة،كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".

فالأمة قالت سمعنا وأطعنا وهي في الحقيقة لم تسمع، وقالت اعتصمنا بحبل الله ولم تعتصم، هذا فضلاً عن ادعّاء الناس أنهم تولوا الله والرسول(ص)، وهم في الحقيقة تولوا الشيطان وهربوا من الزحف وولوا الأدبار الى غير ذلك مما جاء في خطاب الإيمان؟! إن الخيانة لله والرسول، وكذلك خيانة الأمانات إنما تبدأ حينما تختار الأمة، بما هي جماعة مؤمنة عدو الله حليفاً والمفسد في الأرض أخاً وصديقاً، وتمتنع عن حفظ الأمانات بأن تكون حيث أمرها الله تعالى، وأن لا تكون حيث نهاها، وهذا هو معنى أن لا تسمع الأمة الموعظة أو أن تدعي الإيمان وهي ساقطة في عين الفساد والاستخفاف بها.

فالأمانة إنما تكون في الإستجابة لنداء الحياة كما قدمه القرآن.أما أن نكون من أهل الإيمان ولا نعمل بما تقتضيه حقيقة الإيمان، فهذا مجرد قول وسماع لمواعظ دون فعل التقوى،وكأننا لم نسمع بقول الله تعالى:"فتزل قدم بعد ثبوتها.."،وقال تعالى:"ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا.".فالإيمان قول وعمل، والأمانة فعل تقوى وتحقيق موعظة والتزام بما أمر الله به ونهى عنه وإلا كان البديل لذلك هو الخيانة وقبول الفساد في الأرض وتدمير لمناهج الإصلاح،كما هو حالنا اليوم في مجتمعاتنا المعاصرة نرفع شعارات الإصلاح وإذ بنا في عين الفساد والإفساد،ونسمح للأعداء بأن ينفذوا بيننا بكل وسائلهم العدائية ولا نبادر إليهم إلا بالأقوال وأساليب الإدانة والاستنكار،وهم يعيثون في الأرض فسادًا،فالويل لأمة قالت سمعنا وأطعنا وكذبت على الله ورسوله في ما زعمته لنفسها من إيمان وتقوى،في الوقت الذي يعبث فيها الى حد الذلة والهوان والصغار.

نعم، الويل لأمة زلت بها الأقدام بعد الثبوت،وانهارت بها الاوطان بعد العزة والكرامة! ونختم بالقول:إنكم تعلمون،أيها الناس أن مجرد الركون للظالمين والمفسدين جعل الله عقوبته مساس النار، فكيف بكم وأنتم تمارسون الظلم وتتولون الأعداء وتتحالفون معهم تطبيعاً وتسليماً وتمكيناً من بلادكم واقتصادياتكم، وقبل ذلك كله من دينكم، فهيهات أن يخدع الله عن جنته أو أن يخلف الله وعده، بأن يكون النصر حليف المؤمنين حقاً وصدقاً قولاً وفعلًا، فالله هو أهل التقوى وأهل المغفرة والسلام.

بقلم الأكاديمي اللبناني والباحث في العلوم القرآنية "الدكتور فرح موسى"

captcha