ایکنا

IQNA

مظاهر مهجوریة القرآن

12:56 - January 28, 2026
رمز الخبر: 3503334

مظاهر مهجوریة القرآنإن القرآن الکریم هو المعجزة الخالدة، والصراط المستقیم، والمنهل الصافي الذي لا ينضب، الذي أنزله الله تعالى رحمة للعالمین وهدى للناس. قال تعالى: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155]. إلا أن الواقع المعاصر یشهد شبه حالة من القطع بین المسلمین وقرآنهم. فالمهجوریة هنا لا تعني عدم التلاوة، بل تعني غیاب التأثیر والفاعلیة، وعدم الالتزام بأحکامه، وعدم الانقیاد لهدایته في شؤون الحیاة کافة.

أولاً: مظاهر مهجوریة القرآن:

1. المهجوریة العقائدیة: قلّة التعمق في فهم الآیات المتعلقة بالعقیدة والإیمان بالله وملائکته وکتبه ورسله والیوم الآخر، مما أدّى إلی ضعف التصور الإیماني وسهولة اختراقه بالفلسفات الوضعیة.

2. المهجوریة التشریعیة: استبدال أحکام القرآن بالقوانین الوضعیة في مجالات المعاملات والحدود والأحوال الشخصیة، أو التحايل على نصوصه، مما أفقد الشریعة الإسلامية دورها التنزیلي أحياناً.

3. المهجوریة الأخلاقیة: فصل التعامل مع القرآن عن بناء منظومة القیم والأخلاق العملية، فأصبحت التلاوة طقوساً لا تربط السلوك بالوحي.

4. المهجوریة الحضاریة: عدم اتخاذ القرآن منطلقاً لبناء النماذج الحضاریة في العلوم والاقتصاد والسياسة، واكتفاء المسلمین بدور المتلقى الحضاري.

5. المهجوریة اللغویة: ابتعاد العامة والنخبة على حد سواء عن اللغة العربیة الفصيحة، لغة القرآن، مما أحدث حاجزاً بینهم وبین فهمه مباشرة.

ثانیاً: أسباب المهجوریة:

1. أسباب داخلیة:

 ألف) ضعف المناهج التربویة: عدم وجود منهج متکامل لتعلیم القرآن فهمًا وتطبیقًا في المؤسسات التربویة.

ب) سیطرة العادات والتقالید: تقدیم العرف الاجتماعي على حکم القرآن في أبسط المسائل.

 ج) الجمود الفقهي: عدم تفعیل آلیات الاجتهاد لمواکبة المستجدات، مما أوهم البعض بعجز القرآن عن المعالجة.

د) الانشقاق بین العلوم: فصل علوم القرآن عن العلوم الطبيعية والإنسانیة في منظومة التعلیم.

2. أسباب خارجیة:

ألف) الغزو الفکری والثقافي: حملات التشکیك في الثوابت ومحاولة نزع القداسة عن النصّ القرآني.

ب) الهیمنة الحضاریة الغربیة: فرض النموذج المادي الغربي کمعیار وحید للتحضر والتقدم.

 ج) أدوات التشویش: استخدام وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لنشر ما یصرف عن القرآن ویتناقض مع قیمه.

ثالثاً: سبل المعالجة والخروج من الأزمة:

1. الإصلاح التربوي والتعلیمي:

 ألف) إعادة بناء المناهج الدراسية لجعل فهم القرآن وتطبیقه محورًا لها.

 ب) إنشاء معاهد متخصصة في "تفقیہ القرآن" تُعنى بفهم مقاصده وتنزیله على الواقع.

 ج) تشجیح بحوث "الإعجاز العلمي والعمراني" في القرآن لربطه بالمعرفة المعاصرة.

2. الإصلاح الإعلامي والثقافي:

 ألف) انتاج برامج إعلامية هادفة تُبرز جمالیات القرآن وعظمة معانیه وقدرته على حل المشكلات.

 ب) توظيف التقنیات الحدیثة (تطبیقات، منصات) لجعل القرآن وعلومه في متناول الجميع بطریق جذابة.

 ج) دعم المبدعین في مجال الفنون الهادفة (کالأفلام، المسلسلات، الأنیمیشن) التي تقدم القصص القرآني بصورة معاصرة.

3. الإصلاح الاجتماعي:

 ألف) تفعیل دور المسجد کمرکز لإشاعة  القرآن وتعلیمه.

ب) تشجیح حلقات الذکر والعلم الأهلیة التي ترکز على الفهم الجماعي للقرآن.

ج) تبنی مبادرات "أسرة قرآنية" تحیي سنّة القراءة الجماعیة والتدبر في البیت المسلم.

4. الإصلاح على مستوى النخبة:

 ألف) تضمین العلماء والمفکرین  بضرورة تقدیم خطاب تجدیدي یربط بین النص والواقع.

 ب) تحقیق وطباعة الكتب التي تشرح القرآن بلغة عصرية وبلغات العالم.

 ج) عقد المؤتمرات العلمیة الدولية لمناقشة قضیة المهجوریة وسبل علاجها.

خاتمة: إن تجاوز أزمة مهجوریة القرآن الکریم هي مسألة تتعلق بمستقبل الأمة وهويتها وحضارتها. وإن العلاج یتطلب مشروعاً شاملاً، ینطلق من إعادة الثقة بأن القرآن صالح لكل زمان ومکان، وقادر على قیادة البشریة جمعاء. وهو جهد لا یقع على عاتق المؤسسات الرسمیة فحسب، بل یشترک فیه الفرد والأسرة والمجتمع. قال تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

بقلم الباحث الایراني في الدراسات القرآنية والأستاذ بجامعة المصطفى(ص) العالمية "محمد ابراهیم أخوان دردشتی"

captcha