ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة..

مَنْ كَبُرَتْ أَدْواؤهُ لَمْ يُعْرَفْ شِفاؤُهُ

22:23 - February 02, 2026
رمز الخبر: 3503407

بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
 
رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ كَبُرَتْ أَدْواؤهُ لَمْ يُعْرَفْ شِفاؤُهُ".
 
كما لا يوصَف الدواء إلا بعد تشخيص الدّاء، إذ من دون ذلك لا يفيد دواء، ولا ينفع عِلاج، كذلك الحال إذا كثرت عِلَل الجسد، وفتكت به أمراض كثيرة، فمن المؤكد أن يعجز الأطباء عن السيطرة عليها، وتقديم العلاج المناسب لها، ويقِلُّ الأمل بالشفاء منها، إلا إذا أدركته عناية خاصة من الله تعالى. 
 
تلك هي المعادلة التي يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع): كثرة الأدواء، تصَعِّب الشفاء، وقد تعدمه. وهذا أمر يعرفه الأطباء، لأن الإحاطة بالمرض الواحد والسيطرة عليه، ومنعه من التفشي في البدن مقدورة غالباً، وقد يمكن للجسد أن يقوى عليه إذا كان يتمتع بمناعة قوية، لكن عندما تهجم عليه أمراض عديدة، فلا الجسد يمكنه أن يقوى عليها، ولا الأطباء يمكنهم الحد منها ومعالجتها، إذ ما إن يعالجوا مرضًا، يكتشفون مرضًا آخر، وهكذا. 
 
مِمَّا لا شكَّ فيه أن مراد الإمام لا يقتصر على (أدواء) أمراض الجسد، بل يعم كل الأدواء والأمراض التي تصيب النفس، والقلب، والعقل، فللنفس أمراضها، وللقلب أمراضه، وللعقل أمراضه، وهذه الأمراض قد تكثر أو تقل، وقد تكون كبيرة يصعب الشفاء منها، وقد تكون صغيرة يسهل علاجها، شرط أن يمتلك المبتلى بها الإرادة الأكيدة والعزم الجاد للشفاء منها.
 
وإذا كانت أمراض الجسد يسهل التعامل معها ومعالجتها، وعلى أسوأ الاحتمالات فيما لو فتكت بالجسد فإنها تبقى محصورة بالشخص المصاب بها، وقد يصاحبها صَفاء معنوي لدى الشخص، وغالبًا ما تقرِّبه من الناس لا سِيَّما أرحامه والدائرة القريبة منه، وقد تحمله على الصفح والعفو، وقد تحمله على التوبة وتغيير واقعه من السيِّء إلى الحَسَن، فضلًا عَما يكسبه من ثواب لصبره عليها.
 
ولهذا فهي مهما كبُرَت وعظُمَت تبقى أقلَّ خطرًا على الإنسان من الأمراض التي تفتك بنفسه أو قلبه أو عقله، فهذه إن لم يبادر إلى معالجتها بالتهذيب والتزكية، واكتساب العلم والمعرفة، والاستغفار والتوبة، فإنه وإن كان جسده سليمًا مُعافًى، ولكن هذه الأمراض تجعل منه كائنًا سلبيًا، بل ومدمِّرًا لمحيطه الاجتماعي، لأنه يُعديه بأمراضه ويعيث فيه خرابًا وفسادًا. 
 
ودليلنا على ذلك أن أخطر أزمات العالم السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والحروب إن تعمَّقنا في أسبابها الحقيقية لوجدناها أسبابًا أخلاقية، أي ناشئة من أدواء نفسية أو قلبية أو عقلية.  
 
فأمراض القلوب والنفوس كالكِبر، والحسد، والرياء، وحب الدنيا، والهوى، والظلم، والعِناد، ونقض العهد، والخيانة، هذه ليست أعراضًا عابرة، بل أمراض قاتلة إذا تُركت بلا معالجة كبُرَت واستحكمت حتى يصعب جدًا علاجها.
 
القرآن الكريم يقرِّر هذه الحقيقة بوضوح حين يصف حال المنافقين بقوله تعالى: ... فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴿البقرة: 10﴾ فأمراض القلب حين تُهمَل، تتفاقم وتتعاظم، ممّا يُصَعِّب معالجتها والشفاء منها، لا تنفع معها موعظة ولا تذكير، وهذا يُطابق ما قاله الإمام (ع): "مَنْ كَبُرَتْ أَدْواؤهُ لَمْ يُعْرَفْ شِفاؤُهُ"
 
وجاء في الحديث عنه (ع) أنه قال: "مَا جَفَّتِ الدُّمُوعُ إِلَّا لِقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَمَا قَسَتِ الْقُلُوبُ إِلَّا لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ" فهنا نرى تعاظمًا في مسار المرض القلبي، ذنب يتبعه ذنب، ثم قسوة، ثم انغلاق، ثم انعدام الشفاء.
captcha