
يتضح جلياً من
سورة القدر أن الملائكة تتنزل على الأرض كل عام في ليلة القدر لتدبير الأمور: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاکَ مَا لَیْلَةُ الْقَدْرِ * لَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِکَةُ وَالرُّوحُ فِیهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ کُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِیَ حَتَّی مَطْلَعِ الْفَجْرِ»(القدر: 1-5). وقد ذُكرت هذه المسألة أيضًا في سورة الدخان: «حم * وَالْکِتَابِ الْمُبِینِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِی لَیْلَةٍ مُبَارَکَةٍ إِنَّا کُنَّا مُنْذِرِینَ * فِیهَا یُفْرَقُ کُلُّ أَمْرٍ حَکِیمٍ» (الدخان: 1 ـ 4).
ويتكرر
شهر رمضان إلى يوم القيامة، وبالتالي تستمر ليلة القدر أيضًا إلى هذا اليوم. لذلك، يتكرر نزول الملائكة والروح في كل ليلة قدر. والسؤال هو: الملائكة والروح التي تنزل على الأرض كل عام في ليلة القدر، علی من تنزل بعد أن نزلت علی رسول الله(ص)؟ بالتأمل في هذا السؤال، ندرك أنه لا بد من وجود إمام كامل في كل زمان ليكون محل نزول الملائكة والروح.
إقرأ أيضاً:
علماً، أن نزول الملائكة والروح، والذي یعدّ ظاهرةً روحيةً بطبيعتها ومرتبطة بعالم الأمر الإلهي، لا يمكن أن يكون حدثاً تجريدياً أو بدون مكان للتجلي على الأرض. وقد وصف القرآن الكريم صراحةً هذا النزول بأنه "من كل أمر"، ممّا يدلّ على الصلة المباشرة لهذا النزول بتدبير وتفصيل أمور الوجود. إن مثل هذا الأمر الجلل الذي يُشكّل مقدرات العالم على مدار العام، يتطلب بلا شك مكانًا للأمانة ووعاءً مثاليًا لاستقبال هذه العلوم والمقدرات وحمايتها وإيصالها إلى مرحلة الظهور وفقًا للحکمة الإلهية.
في کل فترة، لا تتحقق هذه القدرة إلا بحضور الحجة الإلهية؛ لأنه وحده القادر على تلقي هذه الحقائق الغيبية مباشرةً ودون تحريف. لذلك، فإن استمرارية ليلة القدر عبر التاريخ تستلزم استمرارية وجود الإمام في كل عصر. في عصرنا هذا، يُعدّ الإمام الثاني عشر، الإمام المهدي (عج)، محل نزول هذه الهبة الإلهية في كل ليلة قدر حتى وقت الظهور. لا يتوافق هذا التحليل مع ظواهر الآيات فحسب، بل يتوافق تماماً مع مبدأ الرحمة الإلهية وضرورة الهداية المستمرة للبشرية.
جاء في الروايات، أنه قال رسول الله (ص) لأصحابه: "آمنوا بليلة القدر؛ فإنها لعلي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده من بعده" (كمال الدين، المجلد 1، ص 280-281، ح 3). وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عباس: «إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينـزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله». فقال ابن عباس: سألت: من هم؟ قال(ع): " أنا وأحد عشر من صلبي، جميعهم أئمة و محدَّثون...» (المصدر نفسه، ص 247-248).