ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ صَدَقَ يَقِيْنُهُ لَمْ يَرْتَبْ

22:43 - February 06, 2026
رمز الخبر: 3503438

مَنْ صَدَقَ يَقِيْنُهُ لَمْ يَرْتَبْبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ صَدَقَ يَقِيْنُهُ لَمْ يَرْتَبْ".

ما رُزِقَ أحد أفضل من اليقين ولا أعظم منه، وما اطمأنت النفس بشيء أكثر من اطمئنانها باليقين، وما أبعد أحد الريبة القاتلة عن نفسه إلا باليقين، وما امتلك أحد الوعي والبصيرة النافذة إلا باليقين، وما ثبت أحد أمام قلق الشكوك والظنون إلا بيقين، الموقِنُ مطمئن النفس، سليم القلب، مرتاح الضمير، لا يُقلِقه شَكٌ، ولا يوتِّره رَيب. تلك هي المعادلة التي يقرِّرها الإمام أمير المؤمنين (ع): إذا صدق يقين الشخص صفا قلبه، وأبعد الاضطراب عن نفسه وفكره.

اليقين هو أعلى مراتب الإدراك الإنساني، وهو الحالة التي: يطمئن فيها العقل والقلب والنفس. وهو أساس الإيمان الحقيقي، والوتَد العظيم الذي يجعل الإنسان ثابتاً أمام الفتن والابتلاءات، وهو الروح التي تمنح العبادة جوهرها وحضورها.

واليقين هو الذي يبني الثقة بالمنهج الذي يعتمده الباحث عن الحق والحقيقة، والثقة بالنتائج التي يخرج بها، إذْ يحرِّر العقل من التخبط والضياع، والتقليد الأعمى، والانقياد للأوهام، فالعقيدة التي تقوم على اليقين لا تهزُّها الشُّبُهات ولا تنال منها الأوهام، كما أن القرارات التي تقوم على اليقين تأتي سليمة، والمجتمع الذي تقوم علاقاته على اليقين لا على الظنون والتخرصات يكون قويًا متماسكًا.

واليقين يعني وضوح الرؤية، ووضوح الغاية، ووضوح الطريق، وسلامة المسير، وشجاعة اتخاذ القرار، والاستعداد لبذل كل ما تتطلَّبه الخيارات التي يتبناها الشخص، والثبات أمام كل المصاعب التي تعترضه على الطريق، والقدرة على تحمَّل الشدائد، والطمأنينة النفسية مهما عصفت الأزمات بالإنسان أو الجماعة، وواجهوا من مكائد.

ولهذا وصفت الروايات الشريفة اليقين بأنه خير ما أُلقِيَ في القلب، وأغنى الغِنى، ورأس الدين، ونظامه، وأفضل درجات الإيمان، وعِماد الإيمان، وأنه لم يُقسَم بين الناس شيء أقل من اليقين، به تتم العبادة، وهو الذي يوصِل العبدَ إلى كل حالٍ سَنِيٍّ ومقام عجيب.

إن هذا التأكيد على مكانة اليقين وأثره على مُجمَل حياة الإنسان، هو دعوة قطعية لكل إنسان أن يسعى إلى امتلاك اليقين في كل أمر يعتقده ويؤمن به، بل في كل أمر من أمور حياته مما يحتاج فيه إلى اليقين.

إن خطورة افتقار الإنسان إلى اليقين أكثر مِمّا نظن، ولعل أدنى درجاتها أن يظلَّ الإنسان أسير قلقٍ لا يزول، وهشاشةٍ نفسية، واضطرابٍ فكري يدوم، وتردُّدٍ مُزمِنٍ، يحول دون الاستفادة من الفرص، وضَعفٍ يؤدّي بالمَرء إلى التأثُّر بالشائعات والأراجيف، وتبَنّي سَرديات خاطئة، وأفكار مشبوهة، مِمّا يجعل المَرءَ تابعًا لكل ناعق، مائلًا مع كل ريح. 

ولقد أسس الإسلام منهجًا راقيًا لتحصيل اليقين، يقوم على العقل البرهاني، فقد رُوِيَ عن الإمام موسى الكاظم (ع) أنه قال: "إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالأَئِمَّةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ".

ويقوم على التفكُّر والتدبُّر، قال تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿190﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿آل عمران:191﴾".

ويقوم على الجمع بين العلم والعمل: قال الإمام أمير المؤمنين (ع): "الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ".

ويقوم على التحرُّر من التقليد الأعمى، قال تعالى: "وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴿23﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ... ﴿الزُّخرُف:24﴾".

من كل ما سبق يتَّضِح لنا سِرُّ الربط -في المعادلة- بين صدق اليقين وانتفاء الرَّيب، لأن الرَّيب ينشأ من أحد ثلاثة: نقص الدليل، أو اضطراب المَنهج، أو ضَعف النفس أمام الشُّبُهات، أما الذي امتلك اليقين، فلا تهزُّه شُبهَة، ولا تُربكه إشاعة، ولا تزعزعه حرب إعلامية، فهو ماضٍ على يقينه، موقن بعقيدته وقناعاته وخياراته، حاله كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع): "لَوْ كُشِفَ‏ لِيَ‏ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً".

captcha