
ورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَحَبَّنَا فَلْيَعْمَلْ بِعَمَلِنَا، وَلْيَتَجَلْبَبِ الْوَرَعَ".
من أعظم تجليات الإيمان الحبُّ لله ولرسوله وللأئمة الأطهار من آله (صلوات الله عليهم أجمعين) فالحبُّ لله لأنه سبحانه هو الكمال المطلق، والخير المطلق، وسبب كل خير، والحُبُّ للرسول وآله لأنهم مظاهر جمال الله وجلاله، وتجليات كماله.
في هذه الجوهرة الكريمة يقرِّر الإمام أمير المؤمنين (ع) حقيقة إيمانية بالغة الأهمية، تجعل من محبتهم -كأولياء لله، وهداة للقلوب والعقول-، مشروعَ التزامٍ وسلوك واقتداء، لا مجرّد عاطفةٍ وجدانية. وفيما يلي بيان ذلك:
أولاً: إن مودَّة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ليست أمرًا اختياريًا، يختاره من يشاء، ويأباه من يشاء، ولا هي نافلة من النوافل يختارها المرء ساعة إقباله، ويتركها ساعة إدباره، بل هي ركن من أركان الولاية التي يُبنى عليها الإيمان، فهي امتداد لمحبة الرسول الأكرم (ص) ومن مقتضيات الإيمان برسالته، وقد دل على ذلك القرآن الكريم بآية ناصعة قاطعة، حيث قال تعالى: ..قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿الشورى:23﴾.
وقد ذكر العلماء المسلمون: أنه لمّا نزلت هذه الآية، قال المسلمون: يا رسول الله! ومَن قرابتك؟ مَن هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قَالَ: "عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُمَا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ"، وَقَالَهَا ثَلَاثًا.
ورُوِيَ عن الإمام الحسن بن علي المجتبى (ع) أنه قال بعد شهادة أبيه الإمام أمير المؤمنين (ع): "إِنَّا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ افْتَرَضَ اللَّهُ مَوَدَّتَهُمْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ:﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا، فَاقْتِرَافُ الْحَسَنَةِ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ".
والنصوص النبوية والإمامية في هذا الشأن كثيرة، وجميعها تدل على الذي دعت إليه الآية الكريمة، من وجوب مودة أهل البيت ومحبتهم، والإقرار بفضلهم، واحترام مكانتهم، وحسبُك منها الحديث التالي لرسول الله (ص): "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَتَكُونَ عِتْرَتِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ عِتْرَتِهِ، وَيَكُونَ أَهْلِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَتَكُونَ ذَاتِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَاتِهِ"
ثانيًا: إن حُبَّ النبي وآله الأطهار (ع) لا يُكتَفى به في القلب، فلا أثر له إن لم يتجلَّ في الواقع سلوكًا وأدبًا ومواقف. إنه ليتجلّى في ثلاث مستويات:
المستوى الأول: الاتباع العملي، قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴿آل عمران:31﴾ وأهل البيت هم الامتداد الرسالي للنبي الأكرم (ص)، فاتّباعهم هو الامتثال لأوامر الله.
المستوى الثاني: الاقتداء الأخلاقي والسلوكي، والاستنان بسُنَّتهم، والسير على نهجهم، وأن يكون المُحِبُ زَيْنًا لهم ولا يكون شَيْنًا عليهم.
المستوى الثالث: الإيمان بولايتهم وإمامتهم، وأنهم خلفاء رسول الله (ص)، والأمناء على الدين من بعده، والهداة إلى الله تعالى، وطاعتهم، وامتثال أوامرهم، والبراءة من أعدائهم.
ينضم إلى المستويات المتقدمة الورع عن محارم الله، وهو الكَفُّ عن المحارِمِ والتَّحرُّجُ منها، ثمَّ استعير للكَفِّ عن المباحِ والحلالِ، واجتناب الشُّبُهاتِ خوفًا من الوقوعِ في المحرَّماتِ. وعرَّفه بعضهم بقَولِه: تَركُ ما لا بأسَ به، حذَرًا ممَّا به البَأسُ.
والورع من أعلى مراتب التقوى، لأنه يحصِّن الإنسان من الوقوع فيما نهى الله عنه، أو ترك ما أمر الله به.
والملفت أن الإمام (ع) قال: "وَلْيَتَجَلْبَبِ الْوَرَعَ" والجلباب هو الثوب الواسع الذي يستر جميع البدن، فكأن الإمام يريد القول: أنَّ الورع يجب أن يكون في كل شأن من شؤون المُحبِّ للأئمة الأطهار (ع).
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي