
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"
معادلة أخرى من معادلات الحياة، يقرّرها الإمام أمير المؤمنين (ع): من سعى إلى شيء، آخِذًا بالأسباب، باذلًا الجهد المطلوب، فلا بد من أن يناله أو بعضه، وذلك ما تشهد له التجربة الإنسانية المتمادية، وما يؤكده القرآن الكريم من أن كل سَعي لا بُدَّ أن يُثمر، قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴿39﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴿النجم:40﴾.
هذه المعادلة تحثُّنا على العمل، وتشحذ هممنا للنهوض إلى ما نرغب في تحقيقه والحصول عليه، وفيها تحذير من الاكتفاء بالأماني، فإنها لا تتحقق إن لم نسعَ إليها، ولم نُعِدَّ لها، لا يمكنك أن تحصل على حبة واحدة من القمح إذا لم تزرعه، يمكنك أن تتخيَّل ما تشاء من سهول مترامية الأطراف، تموج بسنابل القمح، لكن يبقى ذلك مجرَّد خيال، ويمكنك أن تتخيَّل أرضك قد تحرَّرت، وأن بلدك يتمتع بسيادة كاملة، وأن عدوّك قد حلت به هزيمة نكراء، وابْقَ تتخيّل ذلك قرونًا من الزمن، سيبقى ذلك خيالًا وحسب، ولن يصبح حقيقة ماثلة للعَيان إن لم ينهض الشعب، وتتظافر الجهود المختلفة للذَّود عن حياض الوطن وكرامته.
ويمكنك أن تعتزل الناس، وتُقبِلَ على الدُّعاء، وتقرأ القرآن، وتظل تدعو وتدعو على العدو القاتل المجرم، أن يحرِّرك الله من سطوته، ويُنزِلَ به الدَّمار والاندثار، استمر على ذلك طيلة عمرك، فسينتهي عمرك وأنت تدعو، وما تريده لا يتحقق، لأنك لم تُقرِن دعاءك بالعمل، و "الدَّاعِي بِلا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلا وَتَرٍ". كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع). وهذا تشبيه رائع وتعبير بليغ، فالرامي بلا وتر، هو الذي يحمل القوس في يده ويشد ذلك الشريط المطاطي وعينه على الهدف لكن لا سهم في القوس، فهو إذا أفْلَت الشريط المطاطي لا سهم ينطلق، ولا هدفًا يصيب، كذلك الذي يدعو من غير عمل.
لا تقُل: إنَّ الله يُجيب دعاء الداعي، ولا يُخَيِّب رجاء الراجي؟
صحيح، ولكنَّ الله تعالى جعل قيام الداعي بما عليه من واجب العمل وتهيئة الأسباب المُمْكِنة شرطًا للإجابة، حتى ولو عملتَ القليل، المهم أن تقوم بما تَقْدِرُ عليه، والله يعينك فيما لا تَقْدِر عليه، ولو أنه تعالى كان يجيب دعوة كل داعٍ بمجرد أن يدعو، ومن غير أن يعمل، لما تقدّمت حياة الإنسان ولا الإنسانية خطوة واحدة، ولَما رأيتَ أحدًا يمارس عملًا، أو يُبدِع في أمر، أو يطلب عِلمًا ومعرفة، ولكان كل البشر آثَروا القُعود وأطلقوا العِنان لأمانيهم، وانتظروا أن يُحَقِّقها الله لهم.
فالأمنيات لا تتحوَّل إلى واقع، إلا إذا نهضتَ إلى تحقيقها بالعمل، فقط في أفلام الرسوم المتحركة الحالمة تتحول الأمنيات إلى واقع، والحياة ليست أفلامًا ورسومات، الحياة وقائع وحقائق، والحياة حيوية، ونشاط، وهمَّة عالية، وكَدٌ وجدٌ، والتزام عملي متواصل، وسعي دائم.
ولعَلَّ قائِلًا يقول: ما بالنا نسعى ولا ننال ما نسعى إليه أو بعضه على الأقل؟
والجواب: إنَّ علينا أن نفرق بين ثلاثة أنواع من السعي: فهناك السَّعي الوهمي، الذي يقوم على تصورات خاطئة، وعلى أوهام لا يساعد عليها الواقع، كمن يريد أن يكون ثريًا من أول يوم عمل، أو عالِمًا من أول يوم يطلب فيه العلم. وهناك السَّعي الناقص الذي ينتاب صاحبه السَّأم وفُتُور الهِمَّة، كمن يسير مسافة من الطريق إلى غايته ثم يُقفِل راجعًا، أو يبدأ بالعمل ثم يتخلّى عنه حين تواجهه أدنى العقبات، فهذا السَّعيان لا ينال بهما الإنسان شيئًا، وهناك السَّعي الحقيقي الذي يتابع فيه المَرء سعيه حتى يبلغ غايته، وهو ممتلئ نشاطًا وإيمانًا بهدفه، وهذا هو الذي يصل في النهاية ويفوز.
فعندما لا نصل إلى ما نسعى إليه فليس من الحكمة أن نيأس، أو نلقي باللَّوم على الله تعالى، ونتهمه بالتقصير معنا، حاشاه، بل يجب أن نراجع أنفسنا ونسأل: أي سعي هذا، وما وجه التقصير أو القصور فيه.
خلاصة ما سبق: أن السَّعي الحقيقي لا يضيع، ولو تأخَّرت نتائجُه حتى تتكامل أسبابه، ومَن يسعى بحقٍ لا بد وأن ينال كل أو بعض ما يسعى إليه.