
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية "السيد بلال الوهبي"ورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ جَالَسَ الجُهَّالَ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْقِيْلِ وَالقَالِ".
هذه حتمية اجتماعية برهانها التجربة، ومفادها، أن الذي يجالس الجُهَّال ويصاحبهم، سيقال فيه ما يقال فيهم، ذلك أن الناس يقرأون شخصية الإنسان من منظار أصدقائه وجُلَسائه، فكأنهم انعكاس لبعضهم البعض، حتى قيلَ: "قُلْ لي مَنْ تُعاشِرْ أَقُلْ لَكَ مَنْ أَنْتَ".
ورُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "مُجَالَسَةُ الأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأَخْيَارِ".
وهذا مبني على تأثُّر الإنسان بمَنْ يجالسه ويصاحبه، وهذا مبني أيضًا على واحد من أمرين:
أولهما: انسجامه معه في التفكير، أو العادات والتقاليد، أو نمط العيش، ولو لم يكن كذلك لما جالسه، إلا أن تدفعه الضرورة إلى ذلك، فيجالسه بقدر الضرورة.
الثاني: انتقال عدوى الجاهل إليه، لأنه إذا كان عاقلاً وأثَّر في الجاهل وأصلح أفعاله وسلوكه فبها ونِعْمَتْ، وإن عجز عن ذلك فمن المؤكَّد أن يسكت عن أفعال الجاهل وسلوكه، وتلك هي الخطوة الأولى لتأثُّره به.
إن التأثُّر النفسي والسلوكي بالصُّحبة، والانسجام القيمي والفكري والسلوكي بين الجُلَساء، أصل ثابت لا يمكن إنكاره، فالإنسان لا يَأنَسُ إلا بمن يشبهه في الجملة.
والناس يحكمون على ظاهر الأمور لا على بواطنها، صحيح أننا مأمورون بحُسنِ الظَّنِّ، والبحث عن العذر، ولكن تكرُّر الأمر ودوامه يجعل الناس يحكمون على ما يرون، وإذا كان البعض منهم مِمَّن يتحرَّج في الدين والأخلاق يُحسِنُ الظَّنَّ، فإن الغالبية العظمى منهم تحكم على الشخص من خلال جُلسائه، ولا تنتظر لتنجلي الأمور ويتبيَّنَ الواقع، ويؤيِّد هذا المعنى أنَّ الفقهاء قد عرَّفوا العدالة التي يجب أن تتوفَّر في الفقيه، بأنها حُسُنُ الظاهر.
والجاهل في كلام الإمام هو الذي يقابل العاقل، وذلك أن الجاهل تارة يكون فاقدًا للعلم، فيقابله العالِم. وتارة يكون جاهلًا سلوكيا وقِيَميًا، أي تصدر منه أفعال عبثية، وسلوكيات غير منطقية، ومواقف مُستَهجَنة، وهذا يقابله الشخص العاقل، وهذا ما نراه في الاستعمال القرآني والروائي، حيث الجاهل هو السفيه، وصاحب الطيش، والذي يتَّبِع هواه، ويمارس سلوكيات مذمومة ولو كان لديه قَدْرٌ عظيم من المعلومات، ويحمل شهادات علمية عالية.
قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿الأعراف: 199﴾ فالمراد بالجاهلين في الآية المقابلون للعاقلين.
وكذلك في قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿الفرقان: 63﴾.
وعلى كل حال، فمجالسة الجُهَّال سبَبٌ للقيل والقال، أي سيقول فيه الناس أشياء كثيرة، وينسبون إليه أمورًا لم يفعلها، وستغزر في حقه الشائعات، والاتهامات، والتشكيك به، وبأخلاقه، وبدينه، وحتى بوعيه، وصولًا إلى سقوط هيبته الاجتماعية، وهذه جميعًا لا يمكن للمرء أن يصمد أمامها، ولا أن يلاحق أفراد الناس ليوضح الحقيقة لهم.
وإذن: فالإمام (ع) يقرِّر حتمية اجتماعية صارمة: من يُجالس الجُهَّال والسُّفَهاء، فإنه يسبق الناس في الإساءة إلى سُمعته.