ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة..

مَنْ سَامَحَ نَفْسَهُ فِيمَا تُحِبُّ، طَالَ شَقَاؤُهَا فِيمَا لَا تُحِبُّ

22:53 - February 16, 2026
رمز الخبر: 3503572

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي

ووِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ سَامَحَ نَفْسَهُ فِيمَا تُحِبُّ، طَالَ شَقَاؤُهَا فِيمَا لَا تُحِبُّ".
 
في هذه الجوهرة الكريمة، يقرِّر الإمام أمير المؤمنين (ع) حتمية من الحتميات الحاكمة على التعامل مع النفس، والإنسان نفس، والبدن آلة لها، والنفس أمَّارة بالسُّوء، مَيَّالة إلى اللَّهوِ، تُسرِع بصاحبها إلى الحَوْبة، وتُسَوِّفه بالتوبة. 
 
من تَقُدْهُ نفسه، وتُسَيْطِرْ عليه أهواؤه، وتتحكَّمْ فيه غرائزه وشهواته، يَطُلْ شقاؤه ويَؤُلْ أمره إلى الخسران في الدنيا والشقاء في الآخرة، 
 
إن مسامحة النفس فيما تحب -والنفس ذات أهواء وشهوات- تعني أن يخضع الإنسان لها، أن تطلب منه أمرًا فيُذعِن له ويستجيب لإرادتها، تعني أن ينساها ويغفل عمّا يكون منها من أخطاء وانحرافات ونواقص، تعني ألا يهتمَّ بتهذيبها من رذائلها مما يُفقِده السيطرة عليها، ولا تكون نتيجة ذلك سوى الشقاء، لأن النفس جموح وطموح، ومتطلِّبة لا يُشبعها القليل بل الكثير، كلما نالت شيئًا طلبت المزيد، إنها كالنار التي تلتهم كل شيء، وكماء البحر، كلما شرب منه الانسان ازداد عطشًا.
 
فمن يجعل هواه قائده، يصبح عبدًا له، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿الجاثية:23﴾. فالآية الشريفة ترسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية حين تفلت من عقال العقل، وحين تتعبَّد هواها وتخضع له، وتجعله المحرِّك لها، وتقيمه إلهًا قاهرًا لها، مستوليًا عليها، تتلقى إشاراته بالطاعة والتسليم والقبول. 
 
فهل رأيت الإنسان الخاضع لهواه؟!  إنه كائن عجيب يستحق الفُرجَة  والتعجُّب! وهو يستحق أن يضلّه الله، فلا يتداركه برحمة الهدى، فما أبقى في قلبه مكانًا للهدى وهو يتعبد هواه المريض على علم من الله باستحقاقه للضلالة، أو على علم منه بالحق، لا يقوم لهواه و لا يصُدُّه عن اتخاذه إلهًا يطاع.
 
وهذا يقتضي إضلال الله له والإملاء له في عَماه، فيختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، فتنطمس تلك المنافذ التي يدخل منها النور، وتتعطَّل فيه أدوات الإدراك بطاعته للهوى، فمن يجعل هواه قائده يصبح عبدًا له، ومن صار عبدًا لهواه فقد حرِّيته، ومن فقد حُرِّيته، فقد كرامته.
 
فأي شقاء أعظم من هذا الشقاء، وأية تعاسة أسوأ من هذه التعاسة، وإنه لشقاء يطول، وتعاسة تمتد، شقاء متراكمٌ، مُلبَّد كما تتلبد الغيوم السوداء في السماء، وهو شقاء متدرِّج يبدأ مع السكوت الأول عن أخطاء النفس، والاستجابة الأولى لطلبها غير المُحِقّ، ثم يمتدُّ زمنِيًا ما دام المرء ساكتاً عنها، متغافلًا عن أخطائها، ومطيعًا لها.
 
والتجربة، وهي برهان قاطع، تُثبت أن الإنسان الذي لا يملك القدرة على ضبط أهوائه وشهواته، يفقد استقراره النفسي، وتتعاظم تعاسته مع مرور الوقت، فيطول شقاؤه وعناؤه، وما أسوأ هذه العاقبة، فإن أعلى رغبات الإنسان أن يحيا سعيدًا، وإنه ليبذل ماله وجهده وبل عمره في طلب هذه الرغبة، ويظن أنه يحصل عليها إن أعطى نفسه ما تحب، أو سكت عما تحب، ويغفل عن أن ذلك واحد من فخاخ النفس للإيقاع به وافتراسه، يسكت عن لذة آنية عابرة لكنه يوقع نفسه في بؤرة عميقة من الشقاء والتعاسة.  
captcha