
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي
ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ اكْتَسَبَ حَرامًا اجْتَلَبَ آثَامًا".
هذه معادلة بالغة الأهمية تكشف لنا عن واحد من أهم أسباب تحريم ما حرَّمه الله تعالى على الإنسان، من عقائد، وأحوال، وأفعال، وأقوال، وهو تجنيب الإنسان من آثارها الخطيرة التي ترجع عليه في دنياه وفي آخرته، فالله سبحانه وتعالى لم يحرِّم المُحرَّمات اعتباطًا، حاشاه، فهو العليم بالإنسان، الخبير بما يحتاج عليه، وما ينفعه وما يضرُّه. وهو المنزَّه عن الحاجة، فلا يُشرِّع ليستفيد هو. حاشاه أيضًا، وهو الحكيم الذي لا يكون منه أوامر أو نواهٍ عبثية، وعليه فالله تعالى ما حرَّم حرامًا إلا لدفع مفسدة عن الإنسان، سواء كانت تلك المفسدة مادية أم معنوية، دنيوية أم أخروية.
يقول الإمام (ع): "مَنْ اكْتَسَبَ حَرامًا اجْتَلَبَ آثَامًا" الملاحظ هنا أن الإمام استعمل فعل "اكتسب" والاكتساب فعل متعمَّد، أي أنه أقدم على الحرام بإرادته واختياره مع معرفته بالحرمة التكليفية والموضوعية، وأن فعله الحرام لم يكن عن جهل به، ولا عن جهل، ولا عن إكراه، فمِمّا لا شكَّ فيه أن فعل الحرام عن اختيار يجلِب إلى الفاعل الآثام، كما يجلٍب إليه كل الآثار النفسية الخطيرة، من جُرأة على الله تعالى، وتعدّي حدوده، وانتهاك حرمة شريعته، واعتياد على الحرام، لأنه يكسر حاجز الخوف من المخالفة والمعصية، مِمَّا يدعوه إلى المزيد من فعل الحرام، وما ينتج عن ذلك من ظلم للنفس، وهو من أسوأ مصاديق الظلم.
فمن يتعمَّد فعل الحرام فإنه يستجلب كمية من الآثام والآثار السلبية الظاهرة والباطنة، والفردية والاجتماعية، والدنيوية والأخروية.
ويعلم قارئي الكريم أن الحرام هو كل ما نهى الله عنه نهيًا إلزاميًا، ويترتَّب على فعله استحقاق العقاب، وعلى تركه استحقاق الثواب، سواء كان أمرًا عقائديًا، أو حالًا من الأحوال، أو مظهرًا من المظاهر، أو فعلًا، أو قولًا، أو خَيارًا. فالحرام حكم تشريعي كاشف عن مفسدة حقيقية في الفعل نفسه، أو في آثاره، مِمّا فيه إضرارٌ بعقل الإنسان، أو نفسه، أو بدنه، أو ماله، أو كرامته، أو دنياه، أو آخرته، أو ما يكون فيه إضرار بالآخرين والنظام الاجتماعي العام.
وبهذا يتبين لنا أن اكتساب الحرام ترجع آثاره إلى العبد لا إلى الله، وإنما قلتُ: آثاره، بالجمع، لأنها كثيرة، فليست أثرًا واحدًا يمكن تجاوزه، يكفي منها ما يترتب على اكتساب الحرام من جرأة على إرادة الله، وعلى تجاوز حدوده، وقسوة القلب، والاعتياد على المعصية مما يؤدي إلى وقوعه في براثنها، وعدم التوفيق، وغير ذلك من الآثام والآثار.
لذلك من المُهِمِّ للغاية، اجتنابًا للآثام ودرئًا لآثارها السلبية، أن يعرف المؤمن المحرمات، ويعرف لماذا حرَّمها الله عليه، وأن يجتنبها جميعًا، ويراقب باستمرار مدى التزامه بذلك، مع ضرورة أن يتجنَّب مواضع الشُبهة، لأنها مداخل إلى الحرام، وأن يتذكر دائمًا أن آثار الحرام ليس دنيوية فحسب، بل تمتد إلى الآخرة وهناك لا يمكنه الخروج من ربقتها.