
إنّ اسم مشاري راشد العفاسي، القارئ الكويتي الشهير عاد ليُطرح مرة أخرى بسبب تغريدة مثيرة للجدل. فقد طالب، في موقف لاقى صدى واسعاً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، دونالد ترامب بـ "فتح أبواب الجحيم على إيران". هذا التصريح، الصادر عن شخص معروف بتلاوة القرآن الكريم، كان مفاجئاً للعديد من المراقبين؛ لأن مثل هذه اللغة، بدلًا من أن تتوافق مع تعاليم القرآن، تذكر بالدعوة إلى العنف وتصعيد الحرب.
ويثير هذا الموقف سؤالًا جادّاً: هل مجرد صوت جميل وتلاوة القرآن يكفيان لنعتبر هذا الشخص من أهل القرآن؟ القرآن الكريم هو كتاب هداية ورحمة وعدالة وإصلاح؛ وليس أداة لتبرير الكراهية وإشعال الحروب والدمار. ولهذا السبب، حذرت النصوص الإسلامية مراراً وتكراراً من أن ظاهر القراءة، إذا لم يكن مصحوباً بالفهم والالتزام العملي، فلن تكون له قيمة حقيقية. في رواية مشهورة عن الرسول الأعظم(ص): "رُبَّ تالِ القرآنِ والقرآنُ يَلعَنُهُ"؛ هذا الحديث يوضح بجلاء أن قراءة القرآن، إذا انفصلت عن العمل برسالتها، لا تحمل فضيلة فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى حكم ضد الفرد نفسه.
بناءً على هذا المعيار، لا يمكن اعتبار موقف مشاري العفاسي موقفاً يتوافق مع روح القرآن. فالدعوة إلى فتح "أبواب الجحيم" ضد أمة، خاصة في ظل معاناة المدنيين من تبعات الحرب والعدوان، لا تمت برسالة القرآن الرحيمة بأي صلة. لقد أكد القرآن الكريم مراراً وتكراراً على العدالة، وتجنب العدوان، واحترام كرامة الإنسان. لذلك، إذا دعا قارئ القرآن إلى تصعيد الحرب وسفك الدماء بدلاً من الدفاع عن أرواح البشر، فإن هناك مسافة كبيرة بين تلاوته وحقيقة القرآن.
في المقابل، اتخذ البابا ليو الرابع عشر، زعيم الكاثوليك في العالم، موقفاً مختلفاً وعارض صراحة الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران. فقد صرح، في تصريحات موجهة إلى دونالد ترامب وبيت هيغسث، وزير الحرب الأمريكي، قائلًا: "الله لا يقف إلى جانب المذنبين ولا يقبل ادعاءاتهم". هذا القول، بغض النظر عن مكانة قائله، يحمل رسالة أخلاقية واضحة: لا يمكن تبرير العدوان والحرب وسفك الدماء باسم الدين أو الله.
وهذا التناقض يظهر مرة أخرى أن الحدود الرئيسية في عالم اليوم ليست فقط بين الأديان، بل بين "الحق والباطل" و"العدل والظلم". قد يكون الشخص مسلمًا في الظاهر، يتلو القرآن وله شهرته في قرآءة القرآن، ولكنه في اللحظات التاريخية الحاسمة يقف إلى جانب القوى المهيمنة. في المقابل، قد يكون شخص أخر يختلف في الديانة، ولكنه في موقفه وقوله، يقف ضد الحرب والعدوان ويدافع عن كرامة الإنسان. هذه هي الحقيقة التي تنقل معيار الحكم الأخلاقي من الظاهر إلى الباطن ومن العنوان إلى الموقف.
والحرب ضد إيران في هذه المرحلة الحساسة ليست مجرد صراع عسكري، بل هي أيضاً اختبار للضمائر الدينية والإنسانية. في مثل هذه الظروف، يُتوقع من الشخصيات الدينية أن تتحدث بلغة الرحمة والسلام والإنصاف والدفاع عن المظلوم؛ لا أن تضفي الشرعية على العنف. إذا كان القرآن كتاب هداية ورحمة، فيجب على قارئ القرآن أن يسير على نفس هذا النهج. فالتلاوة الجميلة دون الالتزام بالمحتوى، تتحول في النهاية إلى عرض صوتي وتفقد جوهر التدين.
من ناحية أخرى، تذكرنا معارضة البابا ليو الرابع عشر للحرب تشير إلى أنه لا يزال هناك في العالم إمكانية الوقوف في وجه منطق القوة والعنف. فقد أشار في تصريحاته إلى مبدأ مهم: أن الله لا يقف في صف المعتدين والمذنبين. مثل هذه النظرة، على الأقل على المستوى الأخلاقي، تؤكد أن شرعية أي ادعاء تعتمد على عدالته وصدقه، وليس على القوة العسكرية أو الإعلامية.
بشكل عام، أظهرت الأحداث الأخيرة مرة أخرى أن التدين الشكلي، إذا لم يكن مصحوبًا بفهم صحيح لرسالة الدين، يمكن أن ينقلب ضد نفسه. فقارئ القرآن، إذا كان يمتلك صوتًا جميلًا ولكنه يتحدث دفاعًا عن الظلم، فقد ابتعد عن رسالته القرآنية.في المقابل، أي صوت يقف ضد الحرب والعدوان، حتى لو جاء من خارج دائرة الدين الإسلامي، يمكن أن يكون في صف الحق. هذا هو التمييز الأساسي الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار أكثر من أي وقت مضى في أوقات الأزمات.
بقلم الخبير والباحث الايراني في الدراسات القرآنية والاسلامية "سيد مجيد نبوي"