ایکنا

IQNA

باحث قرآني إيراني لـ"إکنا":

التشاور؛ توصية القرآن الكريم لتحقيق العدل

10:19 - May 06, 2026
رمز الخبر: 3504586
مشهد المقدسة ـ إکنا: قال الباحث الایراني في الدراسات القرآنية "الشيخ حسين أحدي": "يُقدّم القرآن الكريم التشاور كوسيلة لتحقيق العدل والحكمة والرحمة في المجتمع، والمجتمع الذي يكون فيه التشاور مبدأً هو مجتمع تُحترم فيه حقوق الأفراد وتُسمع فيه الآراء المختلفة."

التشاور؛ توصية القرآن الكريم لتحقيق العدل

أشار إلى ذلك، الباحث القرآني الإيراني والأستاذ في الحوزة العلمية، حجة الإسلام والمسلمين "الشيخ حسين أحدي"، في حديث لوكالة "إكنا" للأنباء القرآنية الدولية، قائلاً: "إن الاستفادة من الكنز الثمين للاستشارة شرط ضروري لتحقيق مجتمع ديناميكي ومستنير ومزدهر."

وأضاف: ما يتبين من سيرة وتعاليم أهل البيت الأطهار (ع) هو الأهمية الفائقة لمكانة المشورة في جميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية. هؤلاء العظماء، ليس من باب الاضطرار أو الضعف، بل من منطلق الكمال والحكمة، كانوا يدعون أتباعهم وأنصارهم دائمًا إلى المشورة والاستفادة من آراء الآخرين، وكانوا هم أنفسهم يتخذون أفضل القرارات في اللحظات الحاسمة، من خلال الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة.

وأوضح أن "منهج أهل البيت (ع) في مسألة التشاور لا يُظهر تواضعهم وبساطتهم فحسب، بل يُشير أيضاً إلى فهمهم العميق لحقيقة أنّ الحكمة الجماعية هي الحلّ لكثير من المسالك المسدودة، ونور ساطع في ظلمات الطريق."

وأردف مبيناً: "عندما كان أهل البيت (ع) يتشاورون مع أصحابهم وأنصارهم في الحروب أو في سنّ القوانين، لم يكن ذلك عن جهل، بل لتوضيح أهمية التشاور، وترسيخه في المجتمع، والاستفادة من القدرات الفكرية المتاحة."

واستطرد مبيناً: "إن أهل البيت (ع) لم يكتفوا بالردّ على شكوك وأسئلة أتباعهم، بل جعلوهم يفكرون ويستنتجون من خلال طرح أسئلة أخرى أو الإشارة إلى الآيات والأحاديث، مما عزز روح التساؤل والتشاور في المجتمع."

وأضاف: قال الإمام علي (ع) في رسالة حكيمة إلى مالك الأشتر، مؤكداً على ضرورة المشورة مع العلماء وأصحاب العقول: "ولا تغفل عن مشورة العلماء والحكماء، فإن الفكر والتجربة يقويان العقل وينيران الأفكار." هذا الكلام الثمين يدلّ على أن المشورة ليست مجرد أمر شكلي، بل هي أداة لتقوية العقلانية والوصول إلى حلول قد لا تخطر على ذهن الفرد في الوهلة الأولى.

وقال الشیخ حسین أحدي: "الإمام الصادق (ع) أيضاً في رواية أخرى، يعتبر المشورة سبباً للهداية والنمو ويقول: "من استشار العقلاء، أمن من غوائل الحوادث، ووجد طريق النمو والكمال." وهذا الحديث الشريف، في الواقع، يوضح بوضوح الوظيفة المزدوجة للمشورة؛ كدرع ضد الأضرار ووسيلة للوصول إلى الكمال".

وأشار  إلى أن أهل البيت (ع) في مواجهة الشبهات وأسئلة الأتباع، لم يكونوا يجيبون فحسب، بل كانوا غالباً ما يطرحون أسئلة أخرى أو يحيلون إلى الآيات والروايات، مما يدفعهم إلى التفكير والتعقل ويعزز روح التساؤل والمشورة في المجتمع، وقال: "في السيرة العملية لأهل البيت (ع) توجد العديد من حالات جلسات المشورة في اتخاذ القرارات الهامة، ولم تكن هذه المجالس مجرد محافل لأشخاص متفقين في الرأي، بل كانت تعتبر مساحة لطرح وجهات النظر المختلفة، وتقييم جوانب الأمر، والوصول إلى إجماع على أفضل خيار".

 
وأشار هذا الباحث القرآني إلى أن الإمام علي (ع) يقول في موضع آخر: "من استبد برأيه هلك." وهذا التحذير الصريح يوضح أهمية المشورة أكثر من أي وقت مضى، وصرح: هذه السيرة تعلمنا أنه في المسائل الهامة في الحياة، سواء في الأسرة، أو في بيئة العمل، أو في إدارة المجتمع، لا ينبغي أن نعتبر أنفسنا في غنى عن التشاور مع الآخرين. وقد أشار القرآن الكريم مراراً إلى هذا الموضوع وقدمه كأحد الأركان الأساسية للمجتمع الإسلامي، بحيث لا يعتبر مجرد توصية أخلاقية، بل مبدأ أساسياً في النظام الحكومي والاجتماعي للإسلام، مما يدل على أهمية المشورة وتبادل الأفكار في اتخاذ القرارات المصيرية.
 
وأضاف: في الآية 159 من سورة آل عمران، يأمر الله تعالى النبي الكريم محمد (ص) بالتشاور مع أصحابه: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ کنتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِک فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِی الْأَمْرِ" هذه الآية، حتى مع مكانة النبي (ص) الرفيعة وعصمته، تؤكد على ضرورة المشورة في الأمور. هذا الأمر الإلهي، لم ينزل بسبب عدم علم النبي (ص) ومعرفته، بل لإظهار أهمية الشورى، وخلق الألفة والمحبة بين القائد والناس، وتعزيز روح المشاركة في المجتمع، وهذا بحد ذاته نموذج لقادة المجتمعات الإسلامية الذين يجب عليهم دائماً التشاور مع النخب وعامة المجتمع.
 
واختتم الشيخ حسين أحدي حديثه قائلاً: "من منظور القرآن، للتشاور وظائف متعددة. أولاً، يعمل كأداة لمنع الأخطاء والزلات، لأن الإنسان، حتى مع الكثير من العلم والمعرفة، قد يقع في السهو والنسيان، ويمكن لوجهات نظر الآخرين أن تعوض هذه النواقص. ثانياً، يؤدي التشاور إلى زيادة قوة القرارات وقبولها، لأنه عندما يشارك الأفراد في عملية اتخاذ القرار، يشعرون بانتماء أكبر لهذا القرار ويبذلون جهداً في تنفيذه. ثالثاً، يساهم في النمو الفكري ورفع مستوى المعرفة والبصيرة لدى أفراد المجتمع".
 
وقال: "في الواقع، يقدم القرآن الكريم التشاور كطريق لتحقيق العدالة والحكمة والرحمة في المجتمع، والمجتمع الذي يكون فيه التشاور مبدأً راسخاً هو مجتمع تُحترم فيه حقوق الأفراد، وتُسمع فيه الآراء المختلفة، وتُتخذ القرارات فيه بناءً على الحكمة الجماعية ومع مراعاة مصالح الجميع، وهذا النهج القرآني يضع أسس مجتمع حيوي ومتماسك ومستدام".

4350326

captcha