
وافاد الموقع الاعلامی للمجمع العالمی للتقریب بین المذاهب الاسلامیه بأن نص هذا الخطاب الذي وقعه "سيد افتخار حسين نقوي" عضو مجلس الفكر الإسلامي، رئيس مركز أبحاث منتهي النور في اسلام آباد، ورئيس مؤسسة الامام الخميني - ميانوالي، جاء كالاتي: -
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سماحة الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن علماء الشيعة في باكستان نرفع إلى مقامكم الكريم هذه الرسالة بروح من المسؤولية العلمية والفقهية والأخلاقية، معترين عن قلق عميق إزاء البيان الأخير الصادر عن مجلس الفتوى بالأزهر، والذي جاء في ظرف بالغ الحساسية والتعقيد تمر به الأمة الإسلامية، حيث تواجه شكلاً غير مسبوق من العدوان، لا يقتصر على الهيمنة العسكرية المباشرة للقوى الخارجية، بل يتعدى ذلك إلى استغلال أراضى بعض الدول الإسلامية لتكون منصات لعمليات عدوانية موجهة ضد دول إسلامية أخرى.
إن هذه القضية لا يمكن اختزالها في إطار نزاع سياسي أو صراع عسكري تقليدي، بل تندرج في ضوء الفقه الإسلامي ضمن مباحث دقيقة وخطيرة، من قبيل "اسْتِعْمَالُ أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ فِي الْعُدْوَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّخَاذُ الْمُسْلِمِينَ دُرُوعًا بَشَرِيَّةٌ".
أولاً: المقدمة الأساسية استعمال أراضي المسلمين والحكم الشرعي
إذا استخدمت أراضى دولة مسلمة أو أجواؤها أو منشآتها العسكرية بحيث تكون وسيلة للاعتداء على دولة مسلمة أخرى فإن هذا الفعل يندرج شرعاً تحت عنوان الإعانة على الإثم والعدوان، قال تعالى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (سورة المائدة آية -2).
وقد أجمع المفسرون كالإمام الطبرى والقرطبي والعلامة الطباطبائي على أن كل تعاون يفضى إلى الظلم والتعدى فهو محرم شرعاً كما نص شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى على أن من أعان الكفار على المسلمين استحق المؤاخذة الشرعية، وهو ما يتوافق مع ما قرره فقهاء الإمامية من حرمة تقوية العدو.
ثانياً: اتخاذ المسلمين دروعاً بشرية
إذا عمدت القوى المعتدية إلى اتخاذ أراضي المسلمين أو تجمعاتهم السكانية دروعاً لحماية عملياتها العسكرية فإن هذه الصورة تعرف في الفقه بمسألة التترس.
مَسْأَلَةُ التَّتَرُسِ
وقد تناولها الأئمة كالإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وابن قدامة في المغنى، وقرروا أنه إذا تترس العدو بالمسلمين ولم يكن ثمة طريق لدفعه إلا بذلك جاز الفعل للضرورة بشرط أن يكون القصد دفع العدو لا الإضرار بالمسلمين، وهو ما ينطبق تماماً على الواقع الراهن حيث تستخدم أراض إسلامية للاعتداء على دولة إسلامية أخرى، وقد قرر فقهاء الإمامية كالمحقق الحلى والشهيد الثاني أن المدار في ذلك على قاعدة الضرورة وترجيح الأهم على المهم.
ثالثاً: الأساس القرآني والأصولى والإجماعي لحق الدفاع
لقد أقر القرآن الكريم مشروعية الدفاع بل أوجبه في بعض الحالات قال تعالى "أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظَلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (سورة الحج آية (39)، وقال تعالى "وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا (سورة البقرة آية 190)، وقال تعالى فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (سورة البقرة آية (194)، وهذه النصوص تؤسس المبدأ القتال الدفاعى وضبطه بقاعدة التناسب وعدم الابتداء بالعدوان وهو مما اتفقت عليه المذاهب الإسلامية.
رابعاً: قاعدة دفع الصائل ولا ضرر ونفى السبيل
من القواعد الفقهية المقررة وجوب دفع المعتدى، وقد نص ابن قدامة على وجوب الدفاع ولو أدى إلى القتال، كما أن قاعدة لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسلام توجب رفع الضرر عن الأفراد والجماعات، ويؤكد ذلك قوله تعالى "وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا" (سورة النساء آية -141)، وهو أصل في منع تمكين القوى المعادية من السيطرة على المسلمين.
خامساً: تحديد المسؤولية والسبب المباشر
من القواعد الأصولية أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وأن المسؤولية تناط بالسبب المباشر، وقد بين الشاطبي في الموافقات أن مناط الحكم هو السبب المؤثر، وعليه فإن العدوان إذا صدر من طرف معين فإن رد الفعل الدفاعى ينسب إليه، ولا يصح مؤاخذة المدافع مع إغفال المعتدى.
سادساً: القانون الدولي وحق الدفاع
إن القوانين الدولية ومنها ميثاق الأمم المتحدة في مادته الحادية والخمسين تقر بحق الدفاع عن النفس، كما أن نظرية الحرب العادلة تقر بشرعية الدفاع، فإذا اجتمع حكم الشريعة مع القانون الدولى على هذا الأصل فإن مخالفته تثير إشكالاً علمياً واضحاً.
سابعاً: الولاء والبراء في السياق السياسي والعسكري
قال تعالى "لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" -(سورة آل عمران آية 28) وقال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولياء" - (سورة المائدة آية -51)، وقد بين المفسرون أن هذا النهي يشمل كل صورة من صور الدعم الذي يعود بالضرر على المسلمين، وعليه فإن تمكين القوى المعادية من استخدام أراضى المسلمين في الاعتداء ليس مجرد مسألة سياسية بل هو مخالفة شرعية واضحة.
ثامناً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكم السكوت
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيْرُهُ بِيَدِه" (رواه مسلم)، وهذا يدل على وجوب اتخاذ موقف تجاه الظلم، ولا ينسجم مع هذا الأصل السكوت عن العدوان مع إدانة من يدافع عن نفسه.
تاسعاً: مقاصد الشريعة وحفظ نظام الأمة
إنَّ من مقاصد الشريعة حفظ الدين والنفس والنظام العام، كما قرره الشاطبي، والدفاع يحقق هذه المقاصد جميعاً، ومن ثم فإن إدانته تتعارض مع روح الشريعة ومقاصدها۔
عاشراً: العدالة القرآنية ورفض الازدواجية
قال الله تعالى "اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (سورة المائدة آية -8)، فلا يستقيم العدل أن يغض الطرف عن المعتدى ويلام المدافع، فإن ذلك خروج عن ميزان العدل الذي أمر الله به
الختام
سماحة الإمام الأكبر ندعوكم بكل إخلاص إلى إعادة النظر في هذا الموضوع في ضوء النصوص الشرعية والقواعد الأصولية ومقاصد الشريعة، واعتماد موقف ينسجم مع وحدة الأمة الإسلامية وعزتها وعدلها، فإن التاريخ والأجيال القادمة ستجعل من مواقفنا اليوم معياراً للحكم على صدقنا في نصرة الحق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته علماء الشيعة في باكستان
سيد افتخار حسين نقوی/
عضو مجلس الفكر الإسلامي/
عضو رئيس مركز أبحاث منتهي النور - اسلام آباد/
رئيس مؤسسة الامام الخميني - ميانوالي