بقلم الاعلامیه اللبنانیه "ریما فارس"
منذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب في غزة، بدا واضحًا أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة تمامًا، مرحلة لم تعد فيها المواجهة مجرد ردّ فعل على حدثٍ أمني أو عملية عسكرية، بل صراع مفتوح على مستقبل المنطقة بأكملها. وفي قلب هذا المشهد، حضرت المقاومة كعامل أساسي قلب الحسابات ومنع العدو الإسرائيلي من تحقيق ما كان يطمح إليه بسرعة وحسم.
إسرائيل التي اعتقدت أن بإمكانها إنهاء غزة خلال أسابيع، وجدت نفسها أمام واقع مغاير. فالمقاومة الفلسطينية صمدت رغم حجم الدمار والمجازر، فيما شكّل دخول حزب الله على خط المواجهة في الجنوب اللبناني عنصر استنزاف حقيقي أربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وفرض عليها توزيع قواتها وجهدها العسكري على أكثر من جبهة.
لقد أثبتت المقاومة في لبنان أن المعركة لا تُقاس فقط بحجم النار، بل بقدرة الصمود وفرض التوازنات. فالعمليات المدروسة على الحدود الجنوبية لم تكن اندفاعًا عشوائيًا، بل جزءًا من معركة منع إسرائيل من التفرغ الكامل لسحق غزة ونقل الحرب إلى لبنان. وهذا ما اعترفت به شخصيات إسرائيلية عديدة حين تحدثت عن الأثر الكبير لجبهة الشمال في إنهاك الجيش الإسرائيلي وتهجير المستوطنين من شمال فلسطين المحتلة.
وفي المقابل، كانت إسرائيل تسعى إلى جرّ المنطقة نحو حرب كبرى، عبر الاغتيالات والتصعيد واستهداف قيادات من المقاومة في لبنان وفلسطين وحتى داخل إيران، أملاً في خلق مواجهة شاملة تُدخل الولايات المتحدة والغرب بشكل مباشر في الحرب من أجل إنهاء محور المقاومة بالكامل. فتل أبيب تدرك أن بقاء هذه القوى يعني استمرار التهديد الاستراتيجي لمشروعها في المنطقة.
لكن ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه بالحرب المباشرة، تحاول تحقيقه اليوم عبر الضغوط السياسية والإعلامية والنفسية، مستفيدة من حالة الانقسام العربي والضعف الرسمي، ومن خطاب إعلامي عاجز أحيانًا عن مواكبة طبيعة المعركة الحقيقية. فالمقاومة ليست مجرد بندقية، بل وعي وإرادة وقدرة على قراءة المشروع المعادي ومواجهته بكل الوسائل.
ورغم التضحيات الكبيرة التي دفعتها بيئة المقاومة في لبنان وفلسطين، فإن هذه المواجهة أثبتت أن إرادة الشعوب ما زالت قادرة على فرض معادلات جديدة، وأن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والدعم الغربي الهائل، عاجزة عن حسم المعركة أو كسر روح المقاومة.
اليوم، تقف المنطقة أمام مرحلة دقيقة للغاية، حيث تحاول إسرائيل إعادة ترميم قوة الردع التي تآكلت منذ السابع من أكتوبر، بينما تؤكد المقاومة أن زمن الاستفراد بالشعوب قد انتهى، وأن أي مشروع لإخضاع المنطقة بالقوة سيواجه بثبات طويل النفس مهما بلغت التضحيات.
فالمقاومة بالنسبة لكثيرين لم تعد مجرد خيار عسكري، بل قضية كرامة ووجود، وعنوانًا للدفاع عن الأرض والهوية في وجه مشروع يريد إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح الاحتلال وحلفائه.