
وأعلن عن ذلك، الباحث في مجال الأديان ومؤلف كتاب "مقدمة على الزيارة في المسيحية" "علي أكبر شناري"، في مقابلة خاصة له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا)، مشيراً الى أن هذا الكتاب يتناول دور الزيارة في التطورات الدينية والسياسية للمسيحية، بالإضافة إلى مشاكله ونزاعاته التاريخية وارتباطه الحالي بالسياحة الدينية.
وأوضح حول مكانة زيارة الأماكن المقدسة في المجتمع المعاصر، قائلاً: "إن رغبة الإنسان في دخول الأماكن المقدسة والتواجد فيها جزء لا يتجزأ من طبيعته وشخصيته. ولذلك، يُعدّ السفر إلى الأماكن المقدسة بدوافع دينية من أقدم أنواع السفر وأكثرها شيوعاً عبر التاريخ البشري، وربما تعود جذوره إلى بدايات نشأة الديانات الكبرى في العالم".
وصرّح قائلاً: "حتى اليوم، لا تزال زيارة الأماكن المقدسة وأضرحة الأولياء والصالحين تحظى بأهمية بالغة. بل إن بعض الباحثين في مجال الزيارة اعتبروا إعادة بناء الأماكن المقدسة وتزايد إقبال الناس على زيارتها دليلاً على إحياء الدين وتعزيز مكانته، لا سيما في الدول الأوروبية."
وأشار هذا الباحث الديني في مجال الأديان إلى أن للزيارة جذوراً عريقةً، مبيناً: "اكتسبت الزيارة، كمؤسسة دينية، أهمية وظهوراً أكبر منذ ظهور الديانات التاريخية الكبرى كالهندوسية والبوذية واليهودية والمسيحية والإسلام."
مكانة الزيارة في المسيحية مقارنة بالإسلام واليهودية
في معرض حديثه عن مكانة الزيارة في المسيحية، قال علي أكبر شناري: "يمكن دراسة هذه المسألة من المنظورين الديني والتاريخي. فمن الناحية الفقهية والشرعية لاتحتل الزيارة مكانة بارزة في المسيحية، ولا يوجد دليل واضح في العهد الجديد يؤكده أو يوصي به."
وأضاف: "في اليهودية، طالما كان الهيكل قائمًا في القدس، كان على كل رجل يهودي أن يزور القدس ثلاث مرات في السنة بعد بلوغه سن الرشد. وفي الإسلام أيضًا، وفقًا لآيات القرآن الكريم، يجب على كل مسلم قادر أن يحج إلى بيت الله، وهذا واجب ديني. أما في العهد الجديد، فباستثناء إشارات إلى السيرة العملية للسيد المسيح (ع) والحواريين، لا يوجد أمر صريح بشأن استحباب أو وجوب الزيارة، بل وفي بعض الحالات تم انتقاد حصر الله في أماكن معينة."
صرّح شناري، قائلاً: "من المنظور التاريخي، لعبت الزيارة دوراً هاماً في التطورات الدينية والسياسية المسيحية. لقد تشكلت الزيارة في المسيحية في سياق التاريخ واتخذت أشكالاً مختلفة في فترات مختلفة، وتكونت ردود فعل مختلفة تجاهها."
وأضاف: "خلال الفترة المعروفة باسم (العصر الذهبي للزيارة)، من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر، أصبحت الزيارة متشابكة مع القضايا السياسية والاقتصادية. كما تسبب ارتباطها بالسلطة البابوية في تراجعها خلال فترة الإصلاح الديني، وخاصة في شمال أوروبا."
وقال هذا الباحث عن هدفه من تأليف كتاب "مقدمة على الزيارة في المسيحية": "في هذا العمل، حاولنا الإجابة على السؤال الرئيسي حول التطورات التي مرّت بها الزيارة المسيحية منذ نشأتها وحتى العصر الحديث، والدور الذي لعبته في التطورات الدينية والسياسية للمسيحية".
وأكد: لذلك يمكن القول إن هذا العمل هو من أوائل الكتب التي تناولت، بمنهج تاريخي واستنادًا إلى المصادر المكتبية، دراسة ووصف الزيارة في المسيحية وأبعادها المختلفة باللغة الفارسية.
وأوضح أن الكتاب مُنظّم في خمسة فصول بمنهج تاريخي، مضيفاً أنه "يسعى إلى دراسة تطور الزيارة في المسيحية منذ بداياتها وحتى العصر الحديث، وتأثير كل حقبة على الحقب اللاحقة". في الفصل الأول، وبعد تقديم معلومات عامة عن المسيحية، تُناقش بعض المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالزيارة، والحقب التاريخية، والصور، ومفهوم الوحي".
وتابع: "الفصل الثاني مخصص لأصل الزيارة المسيحية، والأماكن المقدسة في القرون الأولى، ووجهات نظر بعض اللاهوتيين والرهبان حول الزيارة. في هذا الفصل، تم بحث وضع المسيحيين في القرون الثلاثة الأولى وصراعهم مع الحكم الروماني، وتم شرح دور شهادة المسيحيين وتشكيل زيارة قبورهم".
وأضاف شناري: "في استكمال هذا الفصل، تم بحث النظريات المختلفة حول أصل الزيارة المسيحية، ومن بينها يمكن الإشارة إلى تأثير التقاليد اليهودية، ودور قسطنطين ووالدته هيلينا في تشكيل الأماكن المقدسة، وتأثير الطقوس الرومانية واليونانية القديمة، وكذلك الثقافات والطقوس المحلية.
وأشار الى أن الفصل الثالث بعنوان "الزيارة في العصور الوسطى"، قد بحث مسار صعود وهبوط الزيارة في أربعة أقسام: من بين مواضيع هذا الفصل يمكن الإشارة إلى صراع محبي الأيقونات ومحطمي الأيقونات في الكنيسة الأرثوذكسية، وتاريخ زيارة القدس حتى بداية الحروب الصليبية، ودور البابا في هذه التطورات، وكذلك مكانة القديسين والرفات المقدسة في تطوير الأماكن المقدسة.
وتابع شناري: "كما تم في هذا الفصل بحث الوظيفة الهوياتية والسياسية للزيارة في توحيد المسيحيين ضد المسلمين، وكذلك الأضرار مثل الإفراط في تكريم القديسين، وتنافس الكنائس على الآثار المقدسة، وسوء الاستغلال المالي، والابتعاد عن المعنى الأصلي للزيارة".
وأشار هذا الباحث الايراني في الدراسات الدينية إلى أن "الفصل الرابع مخصص لبحث الزيارة في عصر النهضة وحركة الإصلاح الديني، وتابع: في هذا الفصل تم بحث أسباب معارضة البروتستانت للزيارة، وعواقب هذه الحركة على الطقوس الزيارية، وجهود الكنيسة الكاثوليكية للحفاظ على هذا التقليد".
وفي الختام، أشار إلى أن الفصل الخامس للكتاب قد بحث وضع الزيارة في عصر الحداثة وما بعده. في هذا الفصل، تم تحليل مواضيع مثل أسباب عودة المسيحيين إلى الزيارة، ومكانة السيدة مريم العذراء(س) في الحج المعاصر، والصلة بين الزيارة والسياحة، وكيفية تعامل الكنيسة الكاثوليكية مع هذه الظاهرة.