ایکنا

IQNA

العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور

16:46 - May 22, 2026
رمز الخبر: 3504801
إکنا: في المدن التي تتكئ على تأريخ طويل من العلم والمعرفة كمدينة النجف الأشرف، لا تقاس قيمة المنجزات بما ينجز فحسب، بل بما تتركه من أثر في الوعي والذاكرة والثقافة، فثمة مشاريع تولد لتؤدي وظيفة آنية، وأخرى تشيد لتكون امتدادا لهوية متجذرة في التأريخ، تحفظ الإرث وتمنحه قدرة جديدة على الحضور في الزمن المعاصر.

ومن بين هذه المشاريع، تبرز الأعمال التي تتصل بالإرث الإسلامي بوصفها مسؤولية معرفية وثقافية، تتطلب الجمع بين الدقة العلمية، والوعي الحضاري، والقدرة على تقديم هذا الإرث بصيغة تليق بمكانته وقيمته. 
 
وفي هذا السياق، تتجه بعض المؤسسات إلى تبني مشاريع لا تكتفي بصيانة الإرث، بل تعمل على إعادة إنتاج حضوره في الحياة الثقافية والفكرية للأمة، إذ لم يكن الاحتفاء بمصحف النجف الأشرف وتحقيق كتاب نهج البلاغة مجرد تنظيم لفعاليتين ثقافيتين، بل مثلا إعلانا عن مشروعٍ معرفي تتبناه العتبة العباسية المقدسة وتعيد تقديمه بطريقة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
 
ولا يمكن النظر إلى هذين المشروعين بمعزل عن الحراك العلمي والمعرفي الذي تتبناه العتبة المقدسة في ميدان الحراك القرآني والفكر العلوي، عبر منظومة مؤسساتية واسعة تعمل على بناء الوعي والثقافة، فمصحف النجف الأشرف يأتي من ضمن رؤية قرآنية متكاملة تجمع بين التعليم والتحقيق والخدمة المجتمعية، فيما يمثل مشروع نهج البلاغة امتدادا لحراك فكري يسعى إلى إعادة تقديم الفكر العلوي بوصفه مصدرا معاصرا للوعي والهوية والمعرفة.
 
بالأرقام.. منظومة قرآنية متكاملة 
 
لا يمكن قراءة مشروع مصحف النجف الأشرف بمعزل عن الحراك القرآني الواسع الذي تتبناه العتبة العباسية المقدسة عبر المجمع العلمي للقرآن الكريم التابع لها، إذ لم تكن جهودها القرآنية مقتصرة على تنظيم الفعاليات أو إصدار المطبوعات، بل تحولت إلى منظومة علمية ومؤسساتية متكاملة تعمل على مدار العام، وتستهدف بناء وعي قرآني يمتد من التعليم والتأهيل إلى البحث والتحقيق والخدمة الميدانية.
 
وتكشف لغة الأرقام حجم هذا الحضور واتساعه، بعدما سجلت المنظومة القرآنية فيها أكثر من (6 ملايين و839 ألفا و845) مستفيدا حضوريا ورقميا في عام واحد ؛ وهذا رقم يعكس حجم النشاط القرآني وانتشاره في داخل العراق وخارجه، عبر برامج تعليمية ومشاريع ميدانية وفعاليات علمية متخصصة.
 
ويقود المجمع هذا الحراك بوصفه المظلة العليا للعتبة المقدسة التي تشرف على الأنشطة القرآنية، إلى جانب مؤسسات تخصصية، من أبرزها معاهد القرآن الكريم التابعة للمجمع والمنتشرة في عدد من المحافظات العراقية، فضلا عن معهدِ القرآن الكريم النسوي في العتبة المقدسة الذي يعنى بإعداد ملاكات قرآنية نسوية متخصصة، ومركز طباعة المصحف الشريف الذي يتولى أعمال الخط والضبط والطباعة على وفق معايير علمية وفنية دقيقة.
العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور
وامتد النشاط القرآني إلى المشاريع التعليمية والتعبوية، وفي مقدمتها الدورات الصيفية القرآنية التي استقطبت أكثر من (60 ألف) طالب ناشئ في العام الماضي، تلقوا دروسا في القرآن الكريم والفقه والأخلاق والعقائد، من ضمن مشروع يستثمر العطل المدرسية في بناء الوعي الديني والفكري وحماية الأجيال من الأفكار المنحرفة والدخيلة.
 
و شهدت المنظومة القرآنية في العتبة المقدسة إقامة ورش تخصصية لإعداد الأساتذة والقراء، إلى جانب ملتقيات فكرية وحوارية ناقشت قضايا الدراسات القرآنية المعاصرة، ومنها جلسات نقد الاطروحات الاستشراقية المتعلقة بالنص القرآني، بما يعكس انتقال النشاط القرآني من التعليم التقليدي إلى فضاء البحث العلمي والحوار الفكري.
 
ولم يقتصر الحضور القرآني على المؤسسات التعليمية، بل امتد إلى الميدان المجتمعي عبر المحطات القرآنية المنتشرة في الزيارات المليونية، التي تقدم للزائرين دروسا في القراءة الصحيحة لسور الصلاة، إلى جانب الختمات المرتلة والمجودة التي تقام في داخل صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) وفي مختلف المحافظات، ولا سيما في أيام شهر رمضان المبارك والمناسبات العبادية الكبرى.
 
وعلى المستوى العلمي الدولي، نظمت العتبة المقدسة مؤتمرات تخصصية ناقشت الدراسات القرآنية والنقدية، ومنها تقويم موسوعة ليدن للقرآن الكريم، فضلا عن رعاية مسابقات أهمها جائزة العميد الدولية لتلاوة القران، فضلا عن المشاركة في معارض علوم القرآن العالمية لعرض النتاجات القرآنية وإصدارات المجمع العلمي المتخصصة.
 
وتظهر الإحصائيات للعام الماضي حجم هذا الانتشار، إذ بلغ عدد الأنشطة والفعاليات القرآنية (7 آلاف و751) نشاطا، توزعت على (17) محافظة عراقية، وشملت (277) قضاء و(283) ناحية، فضلا عن أكثر من (4 آلاف و400) حي سكني و(756) قرية، في مؤشر يعكس اتساع الرقعة الجغرافية للمشاريع القرآنية وقدرتها على الوصول إلى مختلف الشرائح الاجتماعية.
 
وبهذا المعنى، لا يبدو مشروع مصحف النجف الأشرف عملا منفصلا عن محيطه، بل يأتي بوصفه جزءا من رؤية قرآنية متكاملة تسعى إلى تحويل خدمة القرآن الكريم من جهود محدودة إلى مشروع حضاري ومؤسساتي واسع، يجمع بين التحقيق العلمي، والتعليم، والتأهيل، والحضور الثقافي والمجتمعي، بما يعزز ارتباط المجتمع بالقرآن الكريم ويعيد تقديمه بوصفه مصدرا حيا للمعرفة والهوية والوعي.
 
نهج البلاغة.. من النص التراثي إلى مشروع لصناعة الوعي
 
لا يقتصر احتفاء العتبة العباسية المقدسة بتحقيق كتاب نهج البلاغة ؛ لأنه أثر تراثي أو نص أدبي خالد ؛بل لكون دار علوم نهج البلاغة التابعة لها تقود حراكا علميا وفكريا متكاملا، يقوم على الجمع بين البحث التراثي، والتعليم، والتحقيق العلمي، والبرامج الفكرية الميدانية، من ضمن رؤية تستهدف إعادة تقديم نهج البلاغة بوصفه مصدرا حيا للفكر والقيم والمعرفة، لا مجرد نص محفوظ في المكتبات.
 
ويبرز هذا التوجه في بناء نشاط فكري متواصل عبر محفل نهج البلاغة الأسبوعي الذي انطلق في كربلاء المقدسة وبغداد، قبل أن يتوسع إلى عدد من المحافظات العراقية، ومنها ذي قار، من ضمن مشروع يعتمد التصنيف الموضوعي للنصوص العلوية، واستنطاق مضامينها الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وربطها بقضايا المجتمع المعاصر.
 
و عملت الدار على إطلاق دورات تخصصية تحت عنوان (صناعة الخطاب على هدي نهج البلاغة)، استهدف الخطباء والمبلغين وطلبة العلوم الدينية، بهدف تمكينهم من أدوات الخطاب الفكري القادر على معالجة الشبهات المعاصرة وبناء الوعي المجتمعي بالاستناد إلى الفكر العلوي الرصين، بما يعكس انتقال دراسة نهج البلاغة من الطابع الوعظي التقليدي إلى فضاء التأهيل الفكري والثقافي المتخصص.
 
وفي إطار توسيع دائرة التأثير، نظمت الدار محاضرات وورش عمل مشتركة بالتعاون مع عدد من المؤسسات العلمية والعتبات المقدسة في العراق؛ لتبادل الخبرات وتعزيز الحضور الفكري لكتاب نهج البلاغة بين الأوساط الأكاديمية والثقافية.
 
و اتجهت الدار إلى استثمار البنية التحتية لمعاهد القرآن الكريم التابعة للمجمع العلمي للقرآن الكريم، عبر إطلاق مشروع لتحفيظ وفهم مختارات من نهج البلاغة في عدد من المحافظات، منها النجف الأشرف والمثنى وذي قار، في خطوة تسعى إلى ترسيخ ثنائية (التحصيل والتحصين)، عن طريق ربط الحفظ بالفهم، وربط النصوص العلوية ببناء السلوك والوعي.
 
وامتد النشاط إلى إقامة مسابقات تخصصية في حفظ الخطب والحكم والرسائل، شارك فيها متسابقون من أكثر من تسع محافظات عراقية، فضلا عن إدراج فقرات فكرية مستلهمة من نهج البلاغة من ضمن البرامج الثقافية والتربوية الأسبوعية؛ لتقديم مضامين الكتاب بصيغة تربوية معاصرة تسهم في تعزيز قيم العدالة والنزاهة والإصلاح الاجتماعي.
 
وبحسب هذا النهج لم يقدم نهج البلاغة بوصفه كتابا تراثيا فحسب، بل بوصفه مشروعا معرفيا متجددا تسعى العتبة العباسية المقدسة عن طريق إلى إعادة بناء العلاقة مع الفكر العلوي على أسس علمية وثقافية معاصرة، تجعل من النص التراثي أداة فاعلة في صناعة الوعي وترسيخ الهوية وبناء الإنسان.
 
النجف تحتفي بمصحفها الجديد وتحقيق نهج البلاغة
 
شهدت مدينة النجف إقامة حفلي إزاحة الستار عن الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف في (29-4-2026)، وحفل الاحتفاء بتحقيق كتاب نهج البلاغة في (13-5-2026)، في مشهد عكس حضور النتاج الإسلامي بوصفه عنصرا حيا في الوعي المعاصر لا مجرد إرث تأريخي محفوظ، ويكشف الاحتفاء بالمشروعين عن توجه ثقافي يسعى إلى إعادة تقديم النصوص الإسلامية الكبرى في ضمن سياق يحافظ على قيمتها العلمية والروحية، إذ يتجاوز هذا الاهتمام البعد الاحتفالي ليعبر عن وعي بأهمية صون التراث الإسلامي وإحيائه بوصفه مصدرا للمعرفة والهوية الثقافية، فمصحف النجف الأشرف لم يكن مشروعا طباعيا فحسب، بل يمثّل إنجازا علميا وفنيا استمر العمل فيه لسنوات، ويعكس مكانة النجف الأشرف بوصفها حاضرة علمية عريقة، و يقدم المشروع تأكيدا عمليا على وحدة النص القرآني المتداول لدى المسلمين، في مواجهة ما يثار من شبهات حوله، بما يعزز حضوره المرجعي والثقافي.
العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور
وفيما يقابل ذلك يجسد كتاب نهج البلاغة قيمة معرفية وأدبية رفيعة، لما يتضمنه من خطب وحكم ورسائل الإمام علي (عليه السلام) ذات الأبعاد الفكرية والأخلاقية والسياسية التي ما تزال حاضرة في الدراسات المعاصرة، فضلا عن مكانته بوصفه أحد أهم النصوص البلاغية في التراث العربي.
 
ومن هذا المنطلق، يعكس الاحتفاء بهذين النتاجين توجها نحو ترسيخ الثقافة الإسلامية وإبراز قدرتها على الحضور في الواقع الذي نعيشه.
 
البعد الإنساني والمشهد الثقافي في حفلي إزاحة الستار
 
لم تكن فعاليات إزاحة الستار عن مصحف النجف الأشرف والتحقيق الجديد لكتاب نهج البلاغة مجرد احتفاء بإصدارين علميين، بل بدت مشهدا ثقافيا وإنسانيا امتزجت فيه روحانية النصوص المقدسة بفرحة الإنجاز المعرفي.
 
ففي قاعة المجمع العلوي بالنجف الأشرف، أضفت تلاوة القرآن وأجواء الحفل حضورا روحيا خاصا، فيما استوقفت الحاضرين النسخة الأولى من المصحف الشريف بخطها اليدوي وزخارفها الدقيقة وإخراجها الطباعي الفاخر، ليظهر المصحف بوصفه عملا فنيا يجمع بين جمال الخط العربي وقدسية النص القرآني.
 
و عكست لحظات تكريم اللجان والمعنيين حجم الجهد الجماعي الذي استمر سنوات في المراجعة والتدقيق والطباعة، وهو ما منح المشروع بعدا إنسانيا واضحا، بوصفه ثمرة تعاون علمي وفني متكامل.
 
وفي السياق نفسه، جاءت فعاليات الاحتفاء بتحقيق نهج البلاغة بطابع ثقافي تفاعلي، عبر إلقاء المحاضرات الفكرية والقصائد الشعرية التي استحضرت بلاغة الإمام علي (عليه السلام) وأبعادها الإنسانية، إلى جانب إبراز الجهد العلمي المبذول في تحقيق النصوص ومقابلة النسخ الخطية النادرة ؛وبذلك تحولت هذه الفعاليات من مناسبات احتفالية إلى مشهد ثقافي حي، قدم التراث الإسلامي بوصفه تجربة معرفية وروحية ما تزال قادرة على التأثير في الوعي.
 
أهمية مصحف النجف ونهج البلاغة
 
لا تقتصر أهميةُ مصحف النجف الأشرف على كونه إصدارا قرآنيا جديدا، بل يمثل مشروعا علميا وفنيا وحضاريا يعكس مكانة النجف الأشرف بوصفها حاضرة للعلوم الإسلامية والقرآنية عبر قرون طويلة، وكذلك في حصوله على مباركة المرجعية الدينية العليا، الأمر الذي منح المشروع بعدا علميا وتأريخيا ورسالةً تؤكد وحدة النص القرآني الذي يتداوله المسلمون جميعا بلا زيادة أو نقصان أو تحريف، و مثّل إصداره باسم النجف الأشرف إضافة جديدة إلى المصاحف المنسوبة إلى المدن الإسلامية الكبرى، ليحمل اسم المدينة التي احتضنت العلوم الدينية وخرّجت العلماء والمفسرين لأكثر من ألف عام.
العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور
وفي السياق نفسه ، يمثّل كتاب نهج البلاغة أبرز المؤلفات الإسلامية التي جمعت بين عمق الفكر وروعة البيان، إذ يضم خطب ورسائل وحكم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بما تحمله من مضامين عقائدية وأخلاقية وإنسانية، اذ يمثل الكتاب مدرسة متكاملة في الفكر والأدب، لما اشتمل عليه من معالجة لقضايا الإنسان والمجتمع والإصلاح والعدالة والزهد والحكمة.
 
و تميز بأسلوب بلاغي رفيع جعله مرجعا مهما في الدراسات الأدبية واللغوية، حتى وصف بأنه من أرقى النصوص العربية بعد القرآن الكريم ؛ لما يتضمنه من صور بيانية وتراكيب لغوية تكشف عن عمق المعرفة وسعة الحكمة.
 
النتاجان نموذجان للإتقان العلمي والفني
 
مثل إنجاز مصحف النجف الأشرف وتحقيق كتاب نهج البلاغة مشروعين علميين متكاملين جمعا بين الدقة الأكاديمية والجمال الفني، وعكسا حجم العناية التي توليها المؤسسات العلمية والدينية بالتراث الإسلامي والقرآني.
 
فقد مر مصحف النجف الأشرف بسلسلة طويلة من المراحل التي اشتركت فيها لجان متخصصة وخبرات متراكمة في علوم القرآن والخط والزخرفة والطباعة، واستغرق العمل عليه خمس سنوات من المتابعة والتدقيق، بدءا من كتابة النسخة الخطية وصولا إلى إخراجها النهائي بصورة تليق بقدسية كتاب الله العزيز.
 
وعلى المستوى العلمي، خضع المصحف إلى مراجعات دقيقة ومتكررة من لجان التدقيق وضبط الرسم القرآني، إذ أعيدت مراجعة بعض الصفحات أكثر من مرة لضمان سلامة النص القرآني ودقة الرسم والضبط على وفق المعايير المعتمدة في كتابة المصحف الشريف، و شارك في هذه المراجعات مختصون في علوم القرآن والرسم واللغة، بما يعكس حجم العناية التي أحيط بها المشروع.
 
أما الجانب الفني، فقد تجلى في الخط اليدوي الذي أنجزه الخطاط عبد الحسين الركابي، إلى جانب أعمال الزخرفة والتصميم والإخراج الفني التي منحت المصحف هوية بصرية مميزة تستلهم الإرث الإسلامي العريق، فضلا عن استخدام مواد عالية الجودة من مناشئ عالمية شملت الورق والجلد والتذهيب، فيما تولت دار الكفيل للطباعة والنشر التابعة للعتبة العباسية المقدسة إخراج المصحف بتقنيات طباعية متقدمة جمعت بين الإتقان الفني والدقة العلمية.
 
وفي السياق نفسه ، جاء التحقيق العلمي الجديد لكتاب نهج البلاغة ثمرة مشروع علمي رصين أنجزه مركز التراث الإسلامي التابع لقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة، اعتمادا على عشر نسخ خطية نفيسة تعود إلى القرون الخامس والسادس والسابع والثامن الهجري.
العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور
واعتمد المحققون منهج المقابلة الدقيقة بين النسخ المخطوطة وتحليل الفروق في الألفاظ والضبط والقراءات، للوصول إلى نص موثق أقرب ما يكون إلى الأصل، كما استعان المشروع بشروح نهج البلاغة القديمة والمصادر المرتبطة به، الأمر الذي أسهم في كشف اختلافات نصية وإضافات دونها الشريف الرضي في مراحل مختلفة من تدوين الكتاب.
 
ويمثل هذا التحقيق نموذجاً متقدما في الدراسات التراثية، لكونه استند إلى أسس علمية دقيقة ومنهج متخصص في تحقيق النصوص، بما يسهم في حفظ التراث الإسلامي وتقديمه بصورة موثقة ومعتمدة للأوساط العلمية والثقافية.
 
رعاية المشاريع العلمية والمعرفية
 
تؤدي العتبة العباسية المقدسة دورا متناميا في رعاية المشاريع العلمية والثقافية التي تعنى بالتراث الإسلامي، بوساطة تبنيها بعض الأعمال التي تقوم على التحقيق والطباعة والتوثيق والإنتاج الفني، بما يعكس رؤية مؤسسية تهدف إلى تحويل التراث إلى منجز معرفي حي.
 
وقد برز هذا الدور في مشروع مصحف النجف الأشرف، الذي أُنجز بإشرافها وطبع في دار الكفيل للطباعة والنشر التابعة لها، بعد خمس سنوات من العمل المتواصل والمراجعات الدقيقة.
 
ويمتد هذا التوجه إلى الكتب التراثية والفكرية، ومنها كتاب نهج البلاغة، من ضمن المشاريع التي تهدف إلى إحياء النصوص الإسلامية وتقديمها للأجيال الجديدة بصيغ حديثة تحفظ أصالتها وتأريخها، بما يعزز حضور التراث في المشهد الثقافي والمعرفي.
 
الاهتمام بحفظ التراث وتعزيز الهوية
 
يمثل مصحف النجف الأشرف امتدادا للإرث العلمي والقرآني الذي عرفت به مدينة النجف الأشرف عبر قرون طويلة، فالمصحف لا يوثق حضور المدينة في خدمة القرآن الكريم فحسب، بل يستحضر تأريخا حافلا بالمدارس العلمية والمخطوطات القرآنية والجهود التي بذلها العلماء والخطاطون في حفظ كتاب الله وعلومه.
 
ويكتسب المصحف قيمته التراثية أيضا من كونه مشروعا يوثق تجربة عراقية خالصة في خدمة القرآن الكريم، عبر توظيف الخط العربي والزخرفة الإسلامية وفنون الإخراج الطباعي الحديثة من ضمن رؤية تحافظ على الهوية الثقافية والدينية، وبذلك أصبح مصحف النجف الأشرف شاهدا على التقاء التراث بالمعرفة، والتأريخ بالمنجز المعاصر، في عمل أرادت العتبة العباسية المقدسة له أن يبقى أثرا علميا وثقافيا للأجيال المتعاقبة.
العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور
وفي السياق نفسه، يسهم التحقيق العلمي الجديد لكتاب نهج البلاغة في حفظ أحد أهم النصوص التراثية الإسلامية وصيانته من التحريف أو ضياع الدلالات الدقيقة للنص، فالاعتماد على النسخ الخطية القديمة ومقارنتها يضمن توثيق الموروث الفكري وإتاحته للأجيال القادمة بصورة علمية معتمدة ويعزز المشروع حضور التراث الإسلامي الأصيل في الأوساط العلمية والثقافية، ويفتح المجال أمام الباحثين وطلبة العلوم الدينية والأكاديمية للاعتماد على نسخة دقيقة وموثوقة في الدراسات والتحقيقات المستقبلية.
 
وبوساطة هذه المشاريع الكبيرة يبرز حضور العتبة المقدسة الواضح في ميدان إحياء التراث الإسلامي عبر مبادرات معرفية كبرى تستهدف صون النصوص الإسلامية الرئيسة وإعادة تقديمها على وفق منهج علمي رصين.
 
دعم المشاريع العلمية والتحقيقية المتخصصة
 
تعتمد العتبة العباسية المقدسة نهجا مؤسسيا في دعم المشاريع العلمية والتحقيقية، يقوم على تشكيل لجان متعددة الاختصاصات تضم محققين وخطاطين ومصممين وخبراء في التدقيق والمراجعة، بما يضمن إخراج العمل العلمي على وفق أعلى المعايير.
 
ففي مشروع مصحف النجف الأشرف، تولت اللجنة العليا المشرفة بالتعاون مع دار الكفيل للطباعة والنشر إدارة جميع مراحل الإنجاز، بدءا من الخط والمراجعة، مرورا بالتدقيق اللغوي والفني، وصولا إلى الطباعة النهائية، على وفق منظومة عمل دقيقة ومتكاملة.
 
أما في مشروع نهج البلاغة المحقق، فقد اعتمد مركز التراث الإسلامي منهج المقابلة بين النسخ الخطية وتحليل الفروق النصية واللغوية، بالاستناد إلى مصادر تراثية متعددة، للوصول إلى نص محقق علميا يمكن الاعتماد عليه في الدراسات الأكاديمية والحوزوية.
 
تقديم النتاج الإسلامي بصورة معاصرة
 
حرصت العتبة العباسية المقدسة على تقديم مشاريعها التراثية بروح معاصرة تجمع بين الأصالة والدقة العلمية من جهة، والتقنيات الحديثة في العرض والإخراج من جهة أخرى، و رافق إطلاق المشروع إنتاج فيلم وثائقي من إعداد مركز الكفيل للإنتاج الفني والبث المباشر التابع لقسم الإعلام في العتبة المقدسة، وثق مراحل الإنجاز منذ الفكرة وحتى الطباعة، وسلط الضوء على الجهود الفنية والعلمية المبذولة.
العتبة العباسية تقود مشروعاً ينطلق من القرآن ويُزهر بنهج البلاغة + صور
وفي سياق مشروع نهج البلاغة، جاءت الفعاليات مصحوبة بمحاضرات فكرية تناولت بلاغة الإمام علي (عليه السلام) وأبعادها الإنسانية، إلى جانب عروض شعرية وتكريم للمسهمين في العمل، ما يعكس توظيف الفعالية الثقافية الحديثة في تقديم التراث بأسلوب تفاعلي يواكب الجمهور المعاصر، ويقرب النصوص التراثية من الأوساط الشبابية والأكاديمية.
 
خلاصة القول
 
يتبين ممّا سبق أن مشروعي مصحف النجف الأشرف وتحقيق نهج البلاغة لا يمثلان مجرد إصدارين علميين أو نشاطين ثقافيين، بل هما جزء من مشروع معرفي متكامل يهدف إلى إحياء التراث الإسلامي وتقديمه بصورة علمية معاصرة تجمع بين التحقيق الدقيق والإخراج الفني الرصين وصناعة الوعي.
 
وقد عكست الأرقام والفعاليات والجهود المؤسسية حجم الحراك القرآني والفكري المتنامي، الذي يسعى إلى تحويل النصوص الرئيسة في الثقافة الإسلامية إلى أدوات فاعلة في بناء الإنسان وتعزيز الهوية وترسيخ الوعي الديني والثقافي.
 
وتبيّن أن هذين النتاجين القيمين يجسدان رؤية واضحة مفادها أن خدمة القرآن الكريم وكتاب نهج البلاغة ليست عملا توثيقيا فحسب ؛بل يمثلان مسارا حضاريا مستمرا يعيد ربط المجتمع بمصادره الفكرية الأصيلة، ويمنحها حضورا متجددا في الواقع المعاصر.
 
المصدر: شبكة الكفيل العالمية 
captcha